تختزن الآية 27 من سورة الحج: (وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق)، تجسيدا حسيّا وصورة حركية بالغة الروعة والإبهار وهي تلتقط مشهد جموع المسلمين المتدفقة كسيول الأمطار من كل فجاج الأرض، وكما ينتهي المدى بسيول الأودية والشعاب إلى السهول والبطاح حاملة معها إما الخصب وإما الغثاء، ينتهي المدى على امتداد الأزمنة بجموع المسلمين إلى صعيد الأرض المقدسة في الشهر الأخير من كل عام، حيث يحيون شعائر التوحيد ووجود الخليقة وصراع الحق والباطل والقيامة والبعث.

ولكن وتيرة الإدهاش والإبهار لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتصاعد مع الرحيل على ركائب البحث والتدبر إلى أعماق هذه الآية، وهي تلقي الإضاءة تلو الأخرى على صورة المشهد المثير، الأولى على إتيان الناس تلبية لنداء ربهم ليس من فج واحد، بل من فجاج كثيرة ومتشعبة، والثانية على كونهم لا يأتون من فج معتاد، بل من فجاج عميقة، والثالثة على تنوّع هذه الأعماق التي يأتون منها، فقد يكون عمق بعضها جغرافيا طبيعيا، وعمق بعضها الآخر جغرافيا سياسيا، أو ربما تكون من بينها أعماق عقائدية وفكرية وثقافية.

أما قمة الإدهاش والإبهار فتكتمل في الدلالة على مغزى التقاء هذه الأعماق، إنها في إعطاء الحج بعدا آخر، يحققه انسياح الجموع على بطحاء مكة وهي تحمل معها إما خيريتها وإما غثائيتها، وبهذه الآلية العجيبة يضع الحج المسلمين على شريحة مجهر الواقع، وتركيز بؤرة الصورة لتعريض جوانب المشهد التاريخي لواقعهم للنظرة الفاحصة والمتمعنة، حتى يتمكن المسلم من أن يعاين ويفحص ويشخّص مواطن الخلل والانحراف.

على هذا المسرح التشريحي يأتي المسلم المشرقي ليلمس نزيف أخيه المسلم المغربي، ويأتي المسلم الشامي ليسمع أنين أخيه المسلم اليماني، وبذلك يتاح للمسلمين أن يعايشوا واقع أمتهم، وأن يتبادلوا أدوار المريض والطبيب، وأن يختبروا نوعية العناصر التي تتكون منها كتلتهم العظيمة، ومستوى جودتها ومدى صلابتها.

أو مدى غثائيتها وهزالها وحاجتها إلى الترميم أو ربما الاستبدال؛ فإذا استوقفتهم محطات أزماتهم وهمومهم فهذا يعني أن مؤشر الخيرية في الأمة قد بدأ يتحرك تصاعديا ولو بالحدود الدنيا، وأما إذا أدار كل منهم ظهره لأخيه وكأنه لم ير شيئا يثير اهتمامه وهمومه، فهذا يعني أن مؤشر الغثائية في الأمة لايزال يواصل انحداره نحو قيعان أشد انحطاطاً.

بتطبيق هذه الآلية على مشهد الحج اليوم، فإن تعدد جوازات السفر التي يأتي بها الحجاج لأداء مناسكهم لا يمكن اعتباره تنظيما لإجراءات الهجرة، بل يصبح انعكاسا لواقع التشتت الذي تعيشه الأمة، كما لا تصبح الاختلافات والفوارق والطرائق عند المسلمين في أداء الشعائر مجرد اختلافات فقهية ومذهبية، بل هي خلاف عقدي أو قد يتطور إلى أن يكون صراعا مكبوتا ومرشحا للانفجار والمواجهة في أي لحظة.

وكلما كان تعداد هذه الجوازات وهذه الطرائق أكبر، كلما كان الفتق وخيما، وكلما كان الشقاق مستحكما، لأن هذا التباعد لا يبقى جغرافيا فقط، بل يتوحش مع الأيام حتى يستحيل جفاء فكريا وثقافيا واقتصاديا وعسكرياً، بل وحتى دينياً، لا إحقاقا للحق، ولكن انتصاراً للرأي وللطائفة وللانتماء السياسي والإثني ولشيخ الطريقة.

وها هو الحال قد بلغ بنا أن صرنا نرى دولا إسلامية لا تحتفل بعيد النحر في يوم النحر، بل تختار لها يوما آخر بخلاف اليوم الذي تحتفل فيه معظم بلاد المسلمين تأكيدا وإمعانا في توسيع الفجوة ومفاقمة الخرق والمجاهرة بالخلاف.

ومع ذلك فإنه لا خلاف على أن اعتناق الإسلام يعني بالتبعية الانتماء إلى الأمة الإسلامية، سواء أكان هذا المسلم يحمل جنسية دولة إسلامية أم غير إسلامية، وسواء أكانت الأمة تحت غطاء سياسي واحد، أو كانت ممزقة الأوصال في كيانات متناثرة على الخريطة الجغرافية للعالم، لأن ما ينسب المسلم للأمة ليس بطاقات الهوية وجوازات السفر.

وإنما انغماس هذا الفرد في كيانه الجديد حتى يلامس ألم الجراح وحتى يستنشق غصة الهموم؛ ولأن ما يجمع المسلمين أو يشتتهم ليس اجتماعهم على القالب السياسي وإنما اجتماعهم على كلمة الحق، فإن هذه الكلمة ستبقى دائما وأبدا مقياس النجاة من السقوط في مزالق الانتماءات والولاءات والمعتقدات التي تشرخ صف الأمة، والتي تقتلع المسلمين كأفراد من جذور انتمائهم إلى الأصل الأصيل، والتي لا يفتأ الدجالون والطوابير الخامسة لهذا السبب من النّعق بها وتأجيج حرائقها ليل نهار.

إنه لأمر مشين أن لا تنتبه الغالبية الساحقة من المسلمين إلى دلالات هذا الموسم القدسي الذي لا تخلو واحدة منها من معنى الوحدة، فالرب الذي أتوا تلبية لندائه واحد، وهم يوقنون تماما بأنه المصدر الذي تنزّلت من لدنه الرسالة الواحدة التي جمعتهم، وأن الرسول المبعوث بها والذي يتزلفون بمحبته واحد، وأن المكان الذي يجمعهم واحد، وأن الموعد الذي اجتمعوا فيه واحد.

أما إذا لم يفطنوا إلى توافق هذه الدلالات في مضمون الدوران في فلك الأمة الواحدة، ولم تحرك فيهم ساكنا أو توقظ نائما لتحطيم أصنام القواطع السياسية التي خُطّت خطوطها الملعونة بأيدي أعدائهم ومقوّضي صرح دولتهم، والخروج من أوحال الغثائية بحثا عن هويتهم التي تناسوا ملامحها أو فقدوا أثرها، فأي شيء آخر يمكنه أن ينفث الوعي في هذه الضمائر الفاقدة للذاكرة أو المنوّمة تنويما مغناطيسيا.

هنا يتجاوز الحج بُعده الفردي وحدوده القطرية ليتجلى ببعده الأممي، ليكون ميزانا يزِنون به تأثير أمتهم وفاعليتها وحضورها العالمي، وليكون مؤشرا يقيسون به درجة إصابتها بعدوى الأزمات والمآزق التي تقيد حركتها، وليكون ناقوس إنذار يُبقي الأمة في حالة طوارئ دائمة وعند أعلى درجات الحذر، ويبقي المخلصين من أبنائها أولياء للأمر كانوا أم علماء ودعاة وباحثين أم كانوا من عامة المسلمين متيقظين لواقع أمتهم.

بتسخير كل أدوات المشاهدة والتحليل والتشخيص العلمية وأساليبها، والتحرك من أجل تدارك التقصير أو تصحيح الانحراف عن كلمة الحق، وبالتالي عن الصعود إلى القمة؛ هنا تأتي مشاركة الأمة بهجة العيد مع الحجيج لتضيف عمقا استراتيجيا للعيد، لا لتكون مشاركتهم الفرح بإكمالهم مناسك فريضتهم فحسب، بل وباستكمال عملية الفحص الصحي التي تبقي الأمة سنة قادمة من الزمان في أوج تأهُّبها وعطائها.

akhalil@dcigroup.ae