الحادثة في حد ذاتها كفعل معزول في مكان وزمان لا يمكن أن توصف بأنها خطيرة، لكن الخطورة تجلت في رد الفعل الاشتعالي والفجائي على نطاق واسع. الصحافي العراقي «منتظر الزيدي» لم يقذف الرئيس الأميركي جورج بوش بقنبلة يدوية أو يصوب نحوه طلقات مسدس أو مدفع رشاش.
والفعل الذي أتى به الزيدي يتلخص في عنصرين: «آكشن» حذاء من «فردتين».. والكلمة «يا كلب». ورغم الفجائية الدراماتيكية فإن الفعل ينحصر في دائرة الرمزية. ورد الفعل هو الذي ينبغي التوقف عنده، فقد تفجر فجأة مخزون الكراهية الشعبية في العالم العربي والإسلامي ضد الولايات المتحدة..
فهل تنتبه الطبقة الحاكمة الأميركية؟ في العراق كانت بداية رد الفعل الشعوري العارم المفعم بأطنان من بغض الشعوب العربية والإسلامية تجاه القوة العظمى العدوانية. وبسرعة ضوئية عبر الغضب الشعبي الحدود العراقية إلى الخارج على نحو فجائي أذهل العالم بأسره.
وعلى الفور تبرع نحو مئتي محامٍ عربي وأجنبي للدفاع عن الزيدي إذا قدمته السلطات العراقية إلى محاكمة. وفي الوقت نفسه خرجت مظاهرة في بغداد تطالب بإطلاق سراحه. وفي بيروت تلقف سياسيون وإعلاميون الإشارة فدعوا الحكومة العراقية للإفراج عن الصحافي البطل، وعقدت أحزاب لبنانية اجتماعاً تضامنياً في دار نقابة الصحافيين.
وفي مجلس النواب اللبناني نهض قطب «حزب الله» الشيخ حسن فضل الله فأثنى على الزيدي وجرأته قبل أن يعلن قائلاً إن شخصاً مثل جورج بوش «لا يودع إلا رجماً بالحذاء». وفي غزة أعلن صحافيون وأكاديميون ومثقفون فلسطينيون عن تشكيل لجنة تضامنية مع الزيدي، مطالبين بتحرك حقوقي وشعبي وإعلامي سريع للإفراج عنه.
وفي الأردن نشرت الصحف عدة مقالات تؤيد الزيدي. وكتب الصحافي الأردني خيري منصور واصفاً الحادثة بأنها «مشهد سيقترن حتى يوم القيامة باسم الرئيس جورج بوش الابن، ولا سبيل لجذفه حتى لو أبيدت عشيرة الزيدي كلها».
منتظر الزيدي ليس جمال عبدالناصر، ولا يتطلع إلى تبوؤ زعامة قومية، إنه مجرد صحافي تلفزيوني يعمل مراسلاً لقناة عراقية، ومع ذلك أصبح في نظر الشعوب العربية والإسلامية بين يوم وليلة وكأنه بطل قومي من الطراز الناصري.. لماذا؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ينبغي أن تتوقف عنده ملياً الولايات المتحدة وهي تستعد لاستقبال رئيس جديد يرفع شعار «التغيير».
لقد تبرع وزير خارجية إسبانيا ميجيل موراتينوس بالإجابة، حيث وصف حادثة الحذاء بأنها تعبر عن غضب العالم الإسلامي إزاء السلطة الأميركية. ويجدر بباراك أوباما أن يتوقف عند هذه الحقيقة التي جهر بها مسؤول غربي نيابة عن دولة حليفة لأميركا.