لم يقترع الأميركيون وحدهم لباراك اوباما. العالم اقترع له أيضا بما يعادل الأغلبية الأميركية هذا إذا لم يكن أكثر.. والعالم كله ينتظره.كلٌ لديه أسبابه. والكلّ يتوخّى منه أن يكتب «جملة مفيدة» في الفصل الذي يخصّه.بهذا المعنى يمثل اوباما «الأمل» بانطلاقة جديدة.

قاد اوباما حملته الانتخابية تحت شعار «التغيير». والأميركيون كانوا مع التغيير. وقبل الانتخابات أشار مراقبون إلى أن الأميركيين كانوا على قناعة أنهى قد حلّت اللحظة لطي صفحة ما سُمي بـ «الثورة المحافظة» التي دشّنها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في مطلع عقد الثمانينات الماضي. وبهذا المعنى أيضا يرى كُثر في انتخاب اوباما تباشير (ثورة أميركية ثالثة). كان فرانكلين روزفلت هو صاحب «الثورة الأولى».

بدا اوباما أنه الرجل المناسب في الوقت المناسب. وجسّد لحظة من لحظات «العناق» التاريخي بين حقبة وشخص. مثل هذه اللحظات نادرة في التاريخ ولعلّ جمال عبد الناصر وميخائيل غورباتشوف قد جسّداها في لحظة معينة. المهم يبدو أن باراك اوباما يجسّدها اليوم في موقع القائد الذي تحتاجه أميركا.. والعالم الذي هو بحاجة إلى أميركا.

الملفت للانتباه أن جون ماكين، المنسي تقريبا اليوم، وكما تدل مداخلاته الأخيرة كمرشّح، كان قد اعترف أن انتخاب اوباما قد يكون أمرا جيّدا. ولعلّه ليس من الخطأ القول إن المعركة الانتخابية الأميركية قد دارت بين اوباما وهيلاري كلينتون. المهم «الأمر الجيّد» حدث لتدخل أميركا في فترة حكم انتقالية «غريبة» قد لا يبررها سوى أنها من موروثات الماضي.

ما يمكن قوله اليوم بانتظار يوم 20 يناير المقبل هو أن الفريق الذي أعلن اوباما أنه سيكون محرّك إدارته حظي بترحيب المراقبين، وبعضهم من عتاة المحافظين في الولايات المتحدة. هذا كلّه يدفع نحو الأمل بالنسبة للوضع الداخلي الأميركي.

فماذا على الصعيد الخارجي؟.

كانت أوروبا، الحليف التاريخي القريب لأميركا، قد «اقترعت»منذ وقت مبكّر لصالح اوباما. كل استطلاعات الرأي في مختلف دول الاتحاد الأوروبي سارت في ذلك الاتجاه. وكانت العلاقات الأميركية ـ الأوروبية قد تحسّنت أصلا منذ بداية الفترة الرئاسية الثانية لجورج دبليو بوش، وبعد أن انقشعت غيوم التوتر التي خلقها الموقف الأوروبي، خاصة الفرنسي ـ الألماني، المعادي لشن الحرب ضد العراق في ربيع عام 2003.

ولا يخفى على أحد أن الأميركيين كانوا «مأخوذين» بالرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي، زنيكولا الأميركيس،كما وصفه البعض. ولم يجد هو نفسه في تلك الصفة أية غضاضة، بل على العكس رددها (نقلا عن الآخرين). ولا شك أن انتخاب اوباما سوف يقلّص لدى الرأي العام موجة (العداء لأميركا) التي تعاظمت في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

الملفت للانتباه، بل والاستثنائي، هو أن باراك اوباما لم ينجح في تجميع الأميركيين حوله فحسب، لكنه أستطاع أن يجمع حوله يمين أوروبا ويسارها. البرهان البليغ لمسته بجلاء في ذلك اليوم، قبل الانتخابات الأميركية، الذي كرّست فيه صحف فرنسية هي «الفيغارو» اليمينية جدا و«ليبيراسيون» اليسارية جدا و«لومانيتيه» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الفرنسي، افتتاحياتها لتلك الانتخابات. لقد عزفت كلّها نفس نشيد «الأوبامانيا» مع تمنيات الفوز.

من المؤكد أن الأوروبيين قد انتعش لديهم الأمل بانطلاقة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة. وهم يرون بفتح فصل جديد من التاريخ الأميركي فتح فصل أيضا في تاريخهم هم أيضا. وشعار حملة اوباما الانتخابية «هذا زمن التغيير» يترجم مثل هذا الأمل الأوروبي.. بل الكوني.الجميع إذن على موعد مع التاريخ.

لكن هذه الجرعة من الأمل قد تواجه امتحان مصداقيتها عندما سيطلب الرئيس اوباما من الأوروبيين زيادة عدد جنودهم ومساهماتهم في الحرب بأفغانستان التي قال صراحة أنه لا تراجع عنها حتى النصر. وهل نحن العرب في موعد مع التاريخ أيضا؟. أم هل نسينا هذا النوع من المواعيد؟

يتفق الجميع على أن قضايا منطقتنا الشائكة قد «هزّت العالم» خلال العقود الأخيرة. وبالتالي سوف يكون لها حضورها بين أولويات الرئيس الأميركي الجديد. ولا شك أن انتخاب اوباما كرئيس للولايات المتحدة الأميركية مهم بالتعريف بالنسبة لمنطقتنا، ومهم أكثر أنه يأتي تحت عنوان «التغيير». وعنوان «التغيير» هذا قد تكون له دلالته بالنسبة للسياسة الأميركية حيال عالمنا.

لكن بعيدا عن أوهام لون بشرة الرئيس وأصوله الإفريقية واسمه الثلاثي «باراك حسين اوباما». هذه الأمور كلّها ليست هي الدوافع التي ستحدد نهج اوباما السياسي ولكن أولا وأساسا مصالح الولايات المتحدة. وإذا كانت المصالح كلّها تقوم بالضرورة على حسابات الربح والخسارة، فإنه ينبغي على من يريد إيجاد حلول لقضايا مصيرية أن يجعل أميركا تعيد النظر في حساباتها. ولا شك أن اوباما أيضا لن ينسى (قبلة الوداع) التي تلقاها سابقه في زيارته الأخيرة للعراق.

إن مؤشرات كثيرة تدفع باتجاه التفاؤل وليس أقلّها تصريحات الرئيس اوباما حول الملف النووي الإيراني والتزامه بالتوصّل إلى اتفاقية سلام وقيام دولة فلسطينية. ويذهب في نفس الاتجاه المتفائل تعيين جيمس جونز كمستشار جديد للأمن القومي وهو الذي يعرف جيّدا الملف الفلسطيني وقد يتحفّظ على حجج اليمين الإسرائيلي في تعطيل مسيرة السلام.

لكن ما سمعناه،وسمعه العالم،من تصريحات اوباما في إسرائيل وعن ضمان أمنها يدفع للخوف من «خيبة الأمل». مهما يكن من أمر، نحن شركاء في الحالتين. لكن قبل أن يفكّر اوباما بـ «إنقاذ» العالم وبقضاياه الكبرى سوف يهتم حكما بمعالجة الوضع الأميركي السقيم. وإذا كان شعاره كمرشح هو «التغيير» فإن شعاره كرئيس سيكون هو «أميركا أولا» وربما حتى عاشرا.. ثم يأتي دور العالم.

كاتب سوري، باريس

mohaklouf@yahoo.fr