يواجه الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما اختبارا دوليا واسع الأبعاد، تحتل القضية الإيرانية فيه إحدى المواقع التي تحظى بالأولوية. وقد نصحت طهران الرئيس أوباما بتغيير إستراتيجية المواجهة التي اعتمدها سلفه جورج بوش وتحويلها إلى إستراتيجية للتعامل مع إيران، وأن يبدأ مسارا جديدا بالاعتراف بحق إيران في التوصل إلى التقنية النووية السلمية».
كما حذر السياسي الأميركي المخضرم ومستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي إسرائيل من «خطورة التهويل بالخيار العسكري ضد إيران»، معتبرا أن الولايات المتحدة «لن توجه ضربة كهذه»، وأن الخيار العسكري محتمل فقط «تحت مظلة الأمم المتحدة وبمشاركة روسيا وحلف شمال الأطلسي». وأكد بريجنسكي أن ضربة عسكرية لإيران اليوم ليست خيارا حقيقيا لأميركا أو إسرائيل، معتبرا أن الأخيرة ليس لديها القدرة العسكرية على تدمير فعلي للمنشآت النووية الإيرانية.
وبادئ ذي بدء نقول إن الاستنتاجات التي خلصت إليها مراكز التحليل الكبرى في واشنطن من أجل إدارة باراك أوباما بشأن البرنامج النووي الإيراني، جاءت غير متوقعة للغاية. حيث يقول محللو واشنطن إنه حاليا لا يبقى لدينا إلا الخيار بين سيناريوهين. فإما التسليم بحتمية أن إيران ستتوفر لديها خلال 6 أشهر كمية كافية من اليورانيوم لصنع قنبلة ذرية، وإما انتظار إشعار رسمي بذلك بعد ال6 أشهر هذه، وعلى سبيل المثال، من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها. واستندت في هذا الاستنتاج إلى التقرير الأخير الذي قدمه المدير العام للوكالة الدولية محمد البرادعي.
بعد الاعتراف بهذه الحقيقة المرة، انقسم الخبراء الأميركان إلى متشائمين ومتفائلين. ويميل الأوائل المتشائمون وعلى رأسهم مندوب الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة جون بولتون إلى أنه لم يعد هناك ما يعيق إيران عن أن تصبح دولة نووية. بينما يرى الآخرون المتفائلون أن من الممكن إنقاذ الوضع دبلوماسيا.
ويرى بولتون أن جورج بوش وباراك أوباما أكدا مرارا على أن امتلاك إيران السلاح النووي مرفوض لدى الولايات المتحدة. إلا أنه لم تكن لدى أي منهما إجراءات عملية لبلورة هذا الموقف. كما هيهات أن تتجرأ إسرائيل، الرافض الرئيسي لوصول إيران للدورة النووية الكاملة، على توجيه ضربة إلى منشآت إيران النووية، لاسيما وأنه يتعين القيام بذلك قبل 20 يناير، موعد تنصيب أوباما رئيسا جديدا للولايات المتحدة رسميا.
وينطلق المتفائلون من أن طموحات إيران النووية لا تتجاوز أطر رغبتها في أن تصبح دولة مهيمنة في المنطقة. وهذه النقطة توفر الأمل في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران على حدود معينة لنفوذها في منطقة الخليج. ويتعين إجراء مفاوضات على 4 مسارات: استئناف العلاقات الدبلوماسية، والبرنامج النووي الإيراني، وأمن المنطقة، والتسوية العربية الإسرائيلية.
وقد عرضت موسكو على واشنطن مثل «خارطة الطريق» هذه منذ فترة طويلة. وعرضت روسيا ذلك عندما لم يكن يعمل في إيران أي جهاز طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم. والآن يعمل هناك من 4 إلى 6 آلاف جهاز طرد. والوقت قد فات. وحتى إذا تسنى لأوباما بدء مفاوضات مباشرة، يبقى السؤال ـ هل توافق إيران على وقف تخصيب اليورانيوم؟
وربما بولتون محق، لدى اعتباره، أنه كان بجدر بـ «السداسي الدولي المعني بالملف النووي الإيراني» وقتها الاتفاق على عقوبات اقتصادية صارمة ضد إيران، تصل إلى عزلها اقتصاديا؟
ولا يبقى الآن إلا التخمين، من سيكون الجديد الذي سيعلن عن حقه في امتلاك الدورة النووية الكاملة «للأغراض السلمية» ويصبح على بعد خطوة واحدة من القنبلة النووية ـ السعودية، مصر أو تركيا؟
إذا، سيكون على طاولة الرئيس الأميركي المنتخب الجديد سيناريوهان لحل القضية الإيرانية. ينص الأول على إجراء مفاوضات من موقع القوة، وحتى شن عملية عسكرية. والثاني ـ الرهان على الجهود الدبلوماسية فقط، وحتى الاعتراف بواقعة هيمنة إيران إقليميا.
هل سيفلح أوباما في كسب الوقت الذي ضيعه سلفه في حل القضية الإيرانية وفق الخيار الثاني، وإذا العكس ـ هل لديه ما يكفي من العزيمة للعمل بالخيار الأول؟
محلل سياسي أوكراني