قام رئيس أساقفة بغداد السريان أثناسيوس أغناطيوس نوري برحلة إلى الهند في دوران القرن قبل الماضي 1899 إلى 1900 ميلادية، وقد سجل مذكراته في يوميات نشرتها قبل عدة سنوات دار السويدي في أبوظبي.
المهم في هذه الرحلة التي كان الهدف منها بيع وقف مملوك للكنيسة في كلكتا الهندية التي يعرف الجميع أنها كانت تحت حكم التاج البريطاني آنئذ، وكان الأسقف البغدادي أحد رعايا الدولة العثمانية، أقول المهم في هذه الرحلة تلك الملاحظات الاجتماعية والسياسية اللماحة التي يسجلها عن أحوال العرب والمسلمين في موطنه العراق فضلاً عن مناطق الخليج العربي التي زارها في رحلته وتوقف فيها كمسقط مثلاً وأيضاً أحوالهم في القارة الهندية التي كانت مبتغى رحلته.
وتلك الملاحظات تصلح أن تكون مادة لكتب الاجتماع والأنثربولوجيا والسياسة لما لها من مضامين تتعدى زمانها ولحظتها التاريخية وربما تمتد إلى وقتنا الحالي!!
يتحسر الأسقف أثناسيوس نوري على حال الزراعة في بلده فيقول: «إن العراق، مع وفرة مياهه وخصب أرضه وعظم مساحته، ليس على شيء من العمران، ففيه ثلاثة أنهر مشهورة تخترقه: أي دجلة والفرات وذياله، وكلها تصب في الخليج. وأكثر أراضيه بور خالية خاوية لأسباب جمة: لقلة سكانه، ولسوء إدارة حكامه، ولانتشار الرشوة بين موظفي الحكومة وهي البلية الكبرى، ولعدم أمن الناس على مزروعاتهم، وأخيراً وليس آخراً، لمشقة الري، إذ لا يزال على الطريقة القديمة مع كثرة المياه، ولعدم وجود المخترعات الحديثة»!!
وحينما وطئ أسقف بغداد أرض القارة الهندية، عجب من التنظيم القائم فيها واستتباب الأمن في ربوعها، فعقد مقارنة بين الحكم العثماني الذي كان يستظل بظله، كون العراق ولاية عثمانية في تلك الفترة وبين الحكم البريطاني الذي كان يسوس الهند. ولا بد من ملاحظة أن كلا النظامين كانا يحكمان شعوباً غير شعوبهما، أحدهما على أساس ديني (الخلافة الإسلامية العثمانية) والآخر على إدعاء «تعمير» الشعوب «وتطويرها»!!
الأول كان يحكم مدعياً إنه يمثل الدين والآخر كان يحكم بمنطلق علماني!! تعالوا بنا نرى الفرق بملاحظات ذكية من رجل دين وقور، كتب مذكراته بغرض التسلية وقضاء الوقت وليس بغرض التشهير بالآخرين. يكتب رئيس أساقفة بغداد ما يلي:
«إن جنود الإنكليز في الهند كلها لا يتجاوزون السبعين ألفاً، وسكان الهند أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة، ومع ذلك فإن الأمن مستتب فيها، والجرائم قليلة، والعدل شامل الجميع، والرشوة غير معروفة. فرأينا الفرق عظيماً بين إدارة الإنكليز وبين إدارة الحكومة العثمانية.
فسكان تركيا لا يتجاوزون العشرين مليوناً، والجنود الذين تحت السلاح أيام السلم خمسمائة ألف جندي، ومع ذلك فالإدارة مشوشة والرشوة ضاربة أطنابها في كل دوائر الحكومة من أكبر وزير إلى حتى أصغر موظف. ولذا أضحت الجرائم لا تحصى، وكانت عصابات الأشقياء بلا عد، وغزوات العشائر الكردية والبدوية بلا انقطاع، والنفور مستحكماً بين المسيحي والمسلم، وبين الطوائف النصرانية نفسها، وكذلك بين الفرق الإسلامية أي الشيعيين والسنيين»!!
أما عن أحوال المسلمين في الهند، الذين يصنفهم الأسقف نوري إلى «السنة والشيعة والوهابية» والذين يبلغون زهاء الستين مليوناً، فإن «السواد الأعظم منهم لا يعرفون من الإسلام غير الشهادتين.. وجميعهم متعصب لدينه أي تعصب. فالسنيون يبغضون الشيعيين بغضاً ما بعده بغض، وكذلك الشيعيون يبغضون السنيين، ولولا تيقظ الحكومة (يقصد الحكومة البريطانية) على حفظ الأمن والراحة لكان الخصام متواصلاً بينهم»!!
ثم يبين كيف أن المسلمين منقسمون في ولائهم بين دولتين إسلاميتين شأن أهل العراق يومئذ. يواصل الأسقف نوري قائلاً: «والسنيون يجلون دولة الأتراك ومن ينتمي إليها، والشيعيون يعظمون دولة إيران»!!
وبالطبع، فليس كل ما شاهده الأسقف من أحوال العرب والمسلمين كان سلبياً، سواء في بلده أو في محيطها أو حتى في الهند، فها هو يرسم صورة جميلة للبصرة في سنواته الست التي قضاها في تلك المدينة وفي عبوره بها، إذ «لم أر فقيراً يكدي (يستعطي) لأن من أراد السكنى فيها لا بد له أن يأكل جيداً، ويلبس لباساً نظيفاً، ويشرب ماء نقياً، ويسكن محلاً صحياً».
أما سبب ثراء البصرة فيرجعه إلى شق قناة السويس، حيث يثني على الفرنسي فرديناند ديليسبس مخططها «فقبل ذلك العهد كان يباع جريب النخل بعشر ليرات، واليوم يباع مثل ذلك الجريب بمائتي ليرة، إذ قد راجت تجارة التمر أي رواج».
ويلاحظ أسقف بغداد فيما يلاحظ التسامح الديني المنتشر في بلاد الخليج العربي وبالذات في مسقط، التي توقف فيها وقدم واجب الزيارة لسلطانها، حيث يكتب عنها مستعجباً: «كدنا لا نصدق أن حرية الأديان مطلقة في هذه البلاد إلى هذه الدرجة، حتى إن للبروتستانت مكتبة دينية في سوق البلدة يبيعون فيها كل الكتب التي تضاد معتقد المسلمين وليس من معترض»!!
نتمنى أن ترجع البصرة إلى سابق عهدها، وأن يستمر التسامح الديني في منطقتنا وهو شيء جبلنا عليه.
كاتب كويتي
