كشفت الأزمة المالية الأخيرة أن الاقتصاد الرأسمالي ليس محصناً بما فيه الكفاية ضد التعرض للأزمات والتي تبلغ تداعياتها أعلى مستويات الخطورة المنذرة بالانهيار.

وصار ينطبق على نهجه السوقي أو سياسة السوق التي يتحرك وفق قيمها ما كان يستخدم كنقطة ومنطلق للحملات الهجومية على النظام الاشتراكي واستهداف إسقاط معسكره بالترويج من خلال الآلة الإعلامية الرأسمالية الضخمة بأنه نظام لإفقار المجتمع.

وزادت الأزمة المالية على ذلك أن النظام الرأسمالي يمكن أن يؤدي إلى إفقار الدول وانهيار العالم.

وكما أن الأمر يستدعي من الدول الكبرى من زاوية الشأن المحلي والمصلحة الوطنية مراجعة نهج الاندفاع السوقي والإخضاع المطلق للنظام الرأسمالي لأحكامه، فإن التخلي عن دفع، وفي الحقيقة إجبار، الدول النامية أو المتطلعة للنمو والعربية منها خاصة على مشاريعها للإصلاحات الاقتصادية على طريقتها والتي انكشف الغطاء عن كونها القابلة لإنتاج الأزمة وتعميمها.

ومما تكشف أن الانشداد المتطرف لتوجهات تعميم سياسة السوق على كل شيء وتحت التأثير الوقتي لمغريات الربح السريع خطأ فادح وقاتل.

وثبت معه أن السوق قد يكون مجالاً للتجارة الرابحة في السلع والمواد الاستهلاكية المعاشية ولكنه غير المأمون للتداول في الاحتياجات الحياتية ذات الطابع الاجتماعي.

وأن تختلط المسألة بالفساد والاستهتار بالقواعد والضوابط النظامية ففيه ما يتوعد العالم بالانهيار الأخلاقي وفق تلك الاعتبارات التي تتفاعل وتتعامل الدول المتخلفة خاصة من خلالها مع الدول المتقدمة كنموذج وقدوة تحتذى.

ولا يحتمل هذا العالم، الذي صنف ذات زمن بارد بالثالث، المزيد من الأزمات والانهيارات إذ يكفيه ما يعانيه من قسوة الدوامات السياسية التي تعصف به وتجعله يتآكل اجتماعياً.

ولا شك في وجود البعد العالمي الذي يصدر إلى عالمنا قسماً هاماً وكبير الأثر من مثيرات التنازع في مابين مكوناتها إلى جانب استثارة مشاعر الظلم والانتقام ضد القوى العالمية.

وما كان من السياسة التصديرية للأزمات نحو مناطقنا أنها تسببت في تأطير ردود الأفعال الناقمة في هيئات منظمة نشطت في اتجاه إعادة تصديرها إلى مجتمعاتها في صورة عمل إرهابي مغلف بفكر متطرف.

وتتصادم المواقف مع المبادئ الإنسانية التي تنادي بها حين تدعي أن دبابة الاحتلال يمكن أن تنشر الحرية في بلد ما وعلى عكس ما روجت له في ما سبق من أزمنة.

ويشهد المنطق الموضوعي أن السلاح إذا تجاوز الشأن الوطني والاستخدام السيادي يتحول إلى قوة قهر واستلاب، وما لا تفرضه بالقوة العسكرية تنتزعه بالعنفوان السياسي المتسلح بالآلة الاقتصادية الجبارة، من خلال تطويق البلد المستهدف بالحصار الغذائي أو قطع ومنع الدعم التنموي.

وللمعايير الدولية المزدوجة وتحول شرعيتها إلى مجرد أداة طيعة للأغراض الخاصة، انعكاساتها التي تضع مستقبل الأيام في مرمى الدافع الانتقامي المدمر حال وصول تراكم المعاناة نقطة القابلية أو الجاهزية للانفجار.

إن مجرد السكوت على تجاهل مبادئ العدل وتجاوز الأنظمة الضابطة للمعاملات والصلات يفضي حتماً إلى الانفلات ومن ثم الانهيار، وهو ما يحدث بالفعل، وقد بلغ حد الاحتياج إلى عملية إنقاذية عالمية.

وإعادة بناء العلاقات وفق مبادئ الشراكة الاقتصادية كما تدعو إليه اليمن هي الخطوة الأولى والحقيقية على الدرب الإنقاذي ودونه سوء العاقبة.