إجماع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) على خفض إنتاجها بمقدار 2،2 مليون برميل يوميًّا في ختام اجتماع عقدته أمس في وهران في الجزائر، خطوة في الاتجاه الصحيح تؤكد الحاجة الملحة على ضرورة وجود توافق بين دول الكارتل النفطي لحماية اقتصادها من الركود، والعمل على تلافي آثار الأزمة المالية العالمية التي تعصف بالعالم، فالدول سواء الأعضاء في المنظمة أو خارجها من المؤكد أنها ليست بمعزل عن تأثيرات الأزمة حالها حال الدول الصناعية الكبرى، فكما استنفرت هذه الدول الكبرى طاقاتها وشحذت هممها وعقدت قممًا ومؤتمرات عدة في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتجنيب اقتصاداتها مخاطر ركود وتوقف التنمية فيها، فمن حق الدول المنتجة للنفط هي الأخرى أن تتفق على كلمة سواء وتحزم أمرها أسوة بغيرها وتبحث السبل الملائمة للمحافظة على زخم اقتصاداتها والسير في مشاريعها الاستثمارية والتنموية، أو على الأقل تعمل على تحصين اقتصاداتها من أي شلل بات يهدد اقتصادات دول، والنأي بها عن عدوى تلك الاقتصادات المتأثرة، لكي تستطيع المقاومة إلى أجل قد يشهد انفراجة وعمليات تصحيح للمسارات الخاطئة التي وضعت على سكتها أقوى الاقتصادات عنوة.

إن هبة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لوضع حد للتدهور الحاصل في أسعار النفط، كشف حقيقة؛ ألا وهي أن ذلك التسارع في الأسعار، وتلك القفزات الجنونية وغير المسبوقة فيها أكدت تعرض الذهب الأسود لمضاربات غير سوية ومغرضة في الأسواق العالمية، بغية تحقيق مكاسب آنية وسريعة، ما انعكس أثرها سلبًا على المنتجين والمستهلكين معًا، حيث ازداد الناس رهقًا وعسرًا في معيشتهم، فلم يعودوا قادرين على مقاومة الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الاستهلاكية والأساسية، فقد وصل مستوى المعيشة إلى تحت خط الفقر، لا سيما في الدول الفقيرة والمعتمدة على المساعدات الخارجية، ما حدا منظمة الأمم المتحدة للتغذية الزراعة (فاو) وغيرها من المنظمات الإنسانية والحقوقية أن تطلق نداء استغاثة لإطعام ملايين الأفواه الجوعى، ومحاربة الفقر والجوع.

وللأسف لم تجد كل تلك النداءات آذانًا مصغية، بل كانت أصوات الجشع والطمع لدى الدول الكبرى الصناعية والمنتجة للغذاء أعلى من كل صوت، حيث طغت نبرة التهديد والوعيد منها ضد الدول المنتجة للنفط إن لم تقم بضخ كميات إضافية في السوق لمواجهة ما كانت تطلق عليه (كثرة الطلب وقلة المعروض)، ورغم الزيادة فقد استمرت أسعار النفط في الارتفاع أيضًا، والمفارقة أنها اليوم عندما بدأت الأسعار بالتدهور، دس أولئك المطالبون بالزيادة والمهددون رأسهم في الرمل، ولم يحركوا ساكنًا والوقوف إلى جانب المنتجين، وهو سلوك أناني ينم عن البحث عن المصلحة الفردية فقط.

بينما من المبدأ أن تتوازى العلاقة بين المنتجين والمستهلكين على أساس المصلحة المشتركة، وما يؤكد هذه الأنانية والتلاعب في الأسعار أن في اليوم الذي أعلنت فيه (أوبك) وهو يوم أمس خفض إنتاجها انخفض سعر البرميل الخام في بورصة لندن الى 20ر40 وهو سعر لم يبلغه منذ 14 يوليو 2004. كما تراجعت عقود الخام الأميركي ثلاثة دولارات بسبب ارتفاع مخزونات الخام والمنتجات المكررة، وفوق ذلك وصف البيت الأبيض قرار أوبك خفض إنتاجها أمس بأنه ينم عن (قصر نظر).

إن إعلان أذربيجان وروسيا غير العضوين في (أوبك) خفض إنتاجهما بنحو 600 ألف برميل يوميًّا خطوة مقدرة، وتنم عن بُعْد نظر وإحساس بالمسؤولية والتقاء في المصلحة المشتركة، لأن تراجع الأسعار لن يخدم سوى جهة واحدة وهي المستهلكون الكبار تحديدًا، بينما المنتجون ستكون خططهم التنموية ومشاريعهم الاستثمارية مهددة بالجمود، وعجلة اقتصاداتهم غير قادرة على الدوران.