جاء تلقي العالم العربي لواقعة قذف الحذاء في وجه الرئيس الأميركي جورج بوش، ليعكس مأزقا حقيقيا في الواقع العربي المعاصر، كما يعكس أيضاً مأزقا خطيرا بالنسبة للإعلام العربي ذاته، ومواقع الإنترنت على وجه الخصوص.

ومن خلال عينة محدودة لعناوين الأخبار والمقالات والتحليلات والتعليقات المختلفة التي تناولت الواقعة، يمكن الكشف عن جوهر ومضمون هذه المواد التي ارتبطت بالواقعة. جاءت هذه العناوين لتكشف عن انقسام حاد في العقلية العربية، وعن انقسام غير مسبوق نحو الواقع العربي ونحو الآخر الغربي.

على الجانب الأول جاءت العناوين ومضامينها لتبارك ما فعله الصحافي العراقي وتجد في ما قام به رد فعل طبيعيا ومقبولا؛ أقل ما يمكن القيام به تجاه الرئيس الأميركي. تشمل بعض هذه العناوين: حذاء عربي عظيم، حذاء عراقي ينتقم لصدام ويضع نهاية بوش، إذا تكلم الحذاء فأنصتوا، حذاء يسع وجه بوش ويزيد، حذاء منتظر الزيدي أخطأ وجه بوش ولكنه أصاب كرامة أميركا وعلمها في الصميم، رمي الجمرة الرابعة الحذاء في وجه بوش، هذا حذاء بألف عمامة.

هذه مجرد عينة مقتضبة جدا للعناوين العديدة التي تناقلتها الصحف ومواقع الإنترنت في عالمنا العربي، والتي ارتفعت بالحدث لمستوى العمل البطولي وصنفته ضمن أعمال المقاومة والإذلال للإمبراطورية الأميركية العظمي. ومن اللافت للنظر أيضاً آلاف التعليقات للقراء العرب المؤيدة للقذف بالحذاء، والتي اعتبرته في النهاية مجرد انتقام لآلاف العرب والمسلمين الذين قتلتهم القوات الأميركية في أفغانستان وباكستان والعراق، إضافة على ما تقوم به حليفتها إسرائيل تجاه الفلسطينيين.

على الجانب الآخر جاء العديد من المقالات والآراء، وإن بنسب أقل، ليتناول الواقعة من ناحية كونها غير عقلانية، ولن تقدم قليلا أو كثيرا في سياق تطوير العراق وتحديثه وحل القضايا العربية العالقة، بما فيها قضية فلسطين. ويمثل هذا الجانب العناوين التالية: هل نرتقي بضربة حذاء؟ لغة القنادر مرة أخرى، ماذا لو ألقى منتظر حذاءه في وجه صدام؟ ما أهمية ما حدث في العراق؟ الحذاء وتطور العرب.

والواقع أن هذه المقالات والآراء على قلتها عكست وجهة نظر مخالفة للجانب الأول، من حيث أن العرب ما زالوا يهللون لمثل هذه النوعية من الأحداث التي لا تفيد واقع الأمة العربية في شيء. ومن اللافت للنظر هنا أن هذا التيار قد ارتبط أيضاً بالمئات من التعليقات الخاصة بالقراء الذين رفضوا ما قام به الصحفي العراقي، ورأوا فيه مجرد عبث يؤكد تخلف العرب وعدم فهمهم للأمور ومستجدات العالم من حولهم.

وهناك العديد من الملاحظات التي يمكن الخروج بها حول هذين التيارين بالنظر لواقعة الحذاء. جاء التيار المؤيد للواقعة أكثر انتشارا وقبولا بين الجماهير العربية. فأكثر المقالات والتحليلات والتعليقات هللت للواقعة واعتبرتها مجرد رد بسيط على العنجهية والصلف الأميركي. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الطابع العربي المندفع والحماسي، وفي بعض الأحيان الغوغائي، في التعامل مع هذه النوعية من الوقائع، الأمر الذي وصل بالبعض إلى اعتبار ذلك اليوم معادلا لإعدام صدام حسين وتهشيم تماثيله.

ومن هذا المنطلق فإن أصحاب هذا التيار يطالبون وعلى وجه السرعة، بالإفراج عن الصحافي العراقي بدون قيد أو شرط. ويمكن تفسير تلك النزعة ببساطة شديدة في ضوء الواقع العربي المتردي في معظم أرجاء الوطن العربي، على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. من هذا المنطلق تتعلق الجماهير العربية بأي حدث مهما كان ضعف مردوده من أجل التهليل له، أو الاحتماء به من وطأة الواقع المتهاوي. وربما تمكن الإشارة هنا إلى تلك الاحتفالات الهائلة التي تنتاب الشعوب العربية في أعقاب الفوز بإحدى مباريات كرة القدم.

على الجانب الآخر الرافض للواقعة، نجد خطابا غوغائيا أيضاً من ناحية عقلانيته المفرطة. فمن وجهة نظر أصحاب هذا التيار فإن الواقعة لن تفيد شيئا، وأن الواقع العربي لن يتقدم بمثل هذه الأمور التافهة. كما أن قضاياه الرئيسة لن يتم حلها من خلال مثل هذه الممارسات التي تقدم صورة سيئة عن العراق والعرب أمام الغرب، أكثر مما تقدم في مجال تصحيح الواقع العربي وتحديد مساراته.

كما أن هذه السلوكيات لا تتناسب مع مهنة الصحافة وإعلائها لقيم العقلانية والحق والعدل. بل إن البعض من هذه الآراء قد وصل في غلوائه إلى ضرورة تدخل السلطات العراقية في المستقبل، لتحديد نوعية الصحافيين الذين يُسمح لهم بالوجود في المؤتمرات الصحافية الخاصة بالرؤساء الأجانب. يتجاهل أصحاب التيار الأول أن تلك الواقعة، رغم ما فيها من جوانب وطنية ورمزية كثيرة، لن تؤدي إلى تصحيح الواقع العراقي المنهار. فهي حالة أقرب للتخدير اللذيذ الذي يخمد بعد نهاية مفعوله.

في الوقت نفسه يتجاهل أصحاب التيار الثاني مسؤولية أميركا عما يحدث في العراق، وتلك الحالة النفسية المحبطة التي تؤدي لمثل هذه الوقائع والأحداث، وأن نهاية صدام حسين لا يجب أن تُتخذ كمبرر من أجل التصفيق والتهليل لأميركا والتابعين الجدد لها. وهنا يحتاج التيار الأول لبعض، وليس كل، عقلانية وهدوء التيار الثاني، بينما تحتاج عقلانية التيار الثاني لبعض، وليس كل، حماسة ووطنية التيار الأول.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com