أعلن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف أن روسيا يمكن أن تصبح عضوا في منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» ومنظمات جديدة من هذا النوع من أجل إيقاف هبوط أسعار النفط.

ويأتي هذا التصريح على أعتاب انعقاد اجتماع أوبك الذي علم لدى كتابة هذه السطور أنه سيشارك فيه وزير الطاقة الروسي، ومن المتوقع أن يتخذ هذا اللقاء قرارا بتخفيض إنتاج النفط لأكثر من مليوني برميل يومياً، وسيلقى هذا القرار تأييدا من روسيا، التي ستتخذ خطوات عملية من خلال تقليص إنتاجها ليس فقط لإيقاف انخفاض أسعار النفط، وإنما تمهيدا لانضمامها إلى منظمة البلدان المصدرة للنفط.

إلا أن هذا الأمر ليس بهذه البساطة، لأن انضمام روسيا إلى منظمة الأوبك، سيزيد من قدرات المنظمة لتتحكم في حوالي نصف إنتاج النفط العالمي. ما سيثير على الأغلب قلق الغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة. خاصة أنه يتزامن مع انعقاد منتدى لرؤساء الدول المنتجة للغاز الطبيعي في موسكو، والذي يرجح أن يقرر تأسيس منظمة للدول المصدرة للغاز على غرار «أوبك».

خطوات موسكو نحو الاندماج بمؤسسات أسواق الطاقة العالمية، تأتى في إطار مساعيها لإيقاف انخفاض أسعار الطاقة والذي يهدد الاقتصاد الروسي بشكل مباشر، كما أنها تعبر عن توجه سياسي جوهري لدى موسكو، يتمثل في تواصلها مع كافة القطاعات ضمن إطار النظام العالمي، وفقا لقواعد وعلاقات السوق وتعتقد روسيا أن هذا التوجه يحقق مصالحها من جهة، ويخدم النظام العالمي من جهة أخرى، باعتبار أنه يضمن ترسيخ أدواته وقواعده.

ويخطئ من يصف وجهة النظر الروسية بالسذاجة، باعتبار أن موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ترى أن أسباب التناقض والخلاف بينها وبين الغرب قد زالت. روسيا لا تعتبر أن مبررات الصراع قد انتهت، وإنما ترى أن محاور الصراع بين نظامين مختلفين لم تعد موجودة، ولابد أن يحل محلها التنافس الرأسمالي بين أبناء النظام الواحد، والذين يسعون إلى تحسين فرصهم ونفوذهم ضمن آليات هذا النظام ووفق قواعده.

ومع مراعاة حمايته من الهزات العميقة التي ستؤثر سلبا على كافة مجالات وقطاعات هذا النظام.

وما يجب وصفه بالسذاجة الضارة هو القلق الأميركي من أن تتمكن روسيا بفضل قدراتها التقنية وثرواتها الطبيعية من أن تتبوأ مكانة تمكنها من مشاركة واشنطن موقع الصدارة في النظام العالمي، وذلك لعدة أسباب:

1- أن النظام العالمي الجديد لا يحتمل وجود زعامات. فهو عبارة عن تكتلات اقتصادية تنشأ العلاقات فيما بينها على أساس تبادل المنفعة والمصالح.

2- لا يوجد مبرر موضوعي لبناء كتل وزعامات سياسية، باعتبار أن نظام الاقتصاد الحر أصبح النظام العالمي الوحيد والسائد، وبات من الضروري البحث عن آليات لتطويره من داخله وليس حمايته من أعداء خارجيين.

3- أن روسيا لا تسعى لزعامات أو نفوذ سياسي بقدر ما تبذل جهوداً جادة في تحقيق مصالحها الاقتصادية على أساس مبدأ المنفعة المتبادلة.

وتسعى واشنطن لتجميع حلفاءها ضمن رؤيتها بأن الخطر قادم من روسيا، ما يعنى أن أصدقاء واشنطن في الأوبك سيكون لهم موقف معارض لانضمام روسيا، تحت وطأة القلق الأميركي من توسع النفوذ الروسي.

أن الوضع الراهن يكشف عن أن هذه الصراعات لم تعد تصلح لتحديد أسس منظومة العلاقات الدولية، وإنما أصبحت المصالح المتبادلة هي الأساس الراسخ لذلك، لأن الجميع يتحرك ضمن إطار نظام عالمي واحد، جيداً كان أم رديئاً.

وقد يكون هذا التوجه إيجابيا، لأنه يقلص دور الصدام في حل أزمات وقضايا المجتمع الدولي، وقد يكون ضارا بمصالح الشعوب لأنه يعتمد بشكل كامل على الاتفاقات والتفاهمات بين النخب السياسية والاقتصادية الحاكمة، إلا أنه كما يبدو يسعى لتوفير المعطيات اللازمة لتحقيق آمن المجتمع الدولي.

مركز دراسات الطاقة الروسي

jannamarat@km. ru