يعود العاشر من ديسمبر من كل سنة ليفتح النقاش والجدال حول اختراق واغتصاب حقوق الإنسان في أرجاء العالم المختلفة.
مرت ستة عقود على الإعلان التاريخي لحقوق الإنسان في باريس سنة 1948، وما زالت البشرية في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب تعاني من التجاوزات والاختراقات لحقوق الإنسان. الوثيقة في حد ذاتها وحسب العديد من المختصين بحاجة إلى تجديد وإعادة صياغة وتكييف مع التطورات العديدة التي شهدتها البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
المشكلة الأخرى التي تعاني منها الوثيقة التي اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة هي أنها غير إلزامية وتعاني من ازدواجية المعايير كما أن المبدأ نفسه وهو حقوق الإنسان أصبح يسيّس ويُستخدم لتحقيق أهداف لا علاقة لها بحقوق الإنسان، كما تستخدم للتدخل في شؤون الآخرين وللضغط على البعض الآخر وفق الظروف والمعطيات.
الاحتفالات التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، الأسبوع الماضي بمناسبة الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان كشفت عن واقع الوثيقة وحجمها في الأوساط الدولية وعن مشكلة التسييس والانتقائية في موضوع حقوق الإنسان. الملاحظة الأولى هي أن هناك صراعا خفيا بين الأميركيين والفرنسيين عن من هو صاحب الفكرة و من هو المهندس الأول للوثيقة.
فبالنسبة للفرنسيين، الفضل يعود لهم في وضع الوثيقة خاصة وأنها حسب إدعاءاتهم مستوحاة من فكر التنوير ونظريات العقد الاجتماعي التي جاء بها فلاسفة التنوير من أمثال جان جاك روسو، ومونتسكيو وفولتير وآخرون. فـ «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الذي أقره البرلمان الفرنسي سنة 1789 هو اللبنة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أُعتمد في باريس قبل ستين عاما.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بخطاب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي قدم عرضا عن اختراق حقوق الإنسان في مناطق عدة في العالم بدون الإشارة إلى ما يحدث في غزة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة وما يقوم به الكيان الصهيوني من اختراقات يومية لحقوق الشعب الفلسطيني في العيش على أرضه والعودة إليها بالنسبة للذين هُجروا وشُردوا قصرا.
فالرئيس الفرنسي من خلال خطابه جاء ليعطي دروسا لموغابي ولعمر البشر لكنه نسي أن يعتذر للشعب الجزائر عن استعمار دام 130 سنة استعملت فرنسا خلالها كل وسائل الاضطهاد والإرهاب والتعذيب والتجويع والتجهيل. ساركوزي نسي كذلك أن يعتذر عن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في منطقة رقان بالجنوب الجزائري والتي ما زالت تداعياتها تطال سكان المنطقة إلى يومنا هذا.
وهنا نلاحظ التسييس والانتقائية وازدواجية المعايير، وإعطاء الدروس للآخرين من قبل الدول العظمى دون أن تطبق نفس هذه المعايير على نفسها. فخطاب الرئيس الفرنسي جاء بعد ساعات قليلة من صدور القرار الأوروبي والذي يمنح إسرائيل «وضعية تفضيلية» في ظل الرئاسة الفرنسية للاتحاد وبضغط منها. أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بتصريحات وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنير الذي صرح بالحرف الواحد أنه ارتكب خطأ فادحا باقتراحه استحداث وزارة لحقوق الإنسان وهو نادم ويتأسف على هذا الخطأ. كما صرح قائلا: حقوق الإنسان تتنافى مع السياسة الخارجية في صورة دائمة.
كوشنير الشخصية التي يشهد لها التاريخ بنشاطها الحافل والصاخب في مجال حقوق الإنسان أبى إلا أن يقدم شهادته وهو يمارس السياسة ويناقض حتى ما أوصى به سفراء فرنسا قبل شهور بتحويل سفاراتهم إلى مراكز لحقوق الإنسان. فشل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عبر ستة عقود من الزمن انقاد المستضعفين والفقراء والمساكين والمهمشين في جميع أنحاء العالم من سلطة المال والسياسة والمستبدين والدكتاتوريين. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان أصبح ضحية للتوازنات السياسية الدولية وللقوى الفاعلة في النظام الدولي التي تتواطأ مع من يخدم مصالحها وتفرض العقوبات على من يقف بالمرصاد أمام أطماعها الجشعة.
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل بإمكاننا أن نضمن حقوق الإنسان لمواطني دولة مستعمرة (بفتح الميم) وهل بإمكاننا ضمان حقوق الإنسان في دولة تابعة و مسيطر عليها خارجيا من قبل دولة أو دول أو نظام دولي؟ إشكالية حقوق الإنسان معقدة وأصبحت في عصر العولمة وسيلة ضغط في يد الدول القوية (حق التدخل) للتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحها وأهدافها، ومن أهم التناقضات التي تعيشها المنظومة الدولية في هذا الشأن ما يلي:
* أميركا المدافع الأول عن حقوق الإنسان تضرب عرض الحائط بهذا المبدأ في بلدها وداخل حدودها وهذا إذا تعلق الأمر بالأقليات مثل السود و الهنود الحمر- السكان الأصليين لأميركا- والأقليات الأخرى ومنهم العرب الذين اتهموا وسُجنوا وطُردوا من أميركا بدون محاكمة.
* الدول الفاعلة في النظام العالمي تساند و تدّعم أنظمة مستبدة ودكتاتورية في العالم الثالث و هذا يتناقض جذريا مع مبدأ حقوق الإنسان ، والغريب في الأمر أن الدول الغربية تساند هذه الدول النامية لفترة زمنية معينة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية والاقتصادية وبعد فترة معينة تنقلب عليها. فمبدأ حقوق الإنسان بالنسبة للدول الغربية ينتهي عندما تبدأ مصالحها.
* الولايات المتحدة الأميركية التي نصّبت نفسها رقيب حقوق الإنسان في العالم تكيل بمكيالين إذا تعلق الأمر بإسرائيل و بأطفال فلسطين و بالغارات على جنوب لبنان و احتلال الجولان، و الغريب في الأمر أن أميركا نفسها تصنف سوريا في خانة الدول الإرهابية والدول التي لا تحترم حقوق الإنسان. أما بالنسبة لإسرائيل فتُوصف بالدولة الديمقراطية المحترمة لحقوق الإنسان وللحريات المختلفة.
* أصبح مبدأ حقوق الإنسان وسيلة في يد الدول القوية للضغط و إدارة شؤون العالم وفق ما تمليه عليها مصالحها و أهدافها الإستراتيجية و نلاحظ هنا أن حتى بعض المنظمات غير الحكومية التي تعنى بشؤون حقوق الإنسيان قد تم تسيّيسها وانحازت لدول ولمصالح ولأيديولوجيات معينة على حساب خدمة مبدأ إنساني عالمي.
* الدول التي نظّرت لحقوق الإنسان وتدعي العمل على نشر الديمقراطية في العالم هي التي كانت بالأمس دول استعمارية والتي اخترقت المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان وهي اليوم نفسها التي تسيطر على العالم من خلال المواثيق والقوانين الدولية التي وضعتها بعد الحرب العالمية الثانية.
كيف يكون مستقبل حقوق الإنسان في ظل العولمة، عولمة لا تؤمن بخصوصية الشعوب، عولمة همها الوحيد هو سلطة المال والسياسة من خلال شركات عملاقة متعددة الجنسية تستغل أطفال العالم وفقراء العالم في ضوء النهار من جهة، وتطالب من جهة أخرى بحقوق الإنسان. أليس من حق أطفال فلسطين والعراق العيش، وكيف لنا أن نتكلم عن حقوق الإنسان في العالم و هناك شعوب محرومة حتى من حقها في العيش؟ يبدو ببساطة أن العالم بحاجة لوقفة مع الذات ومع أخلاق الأنا والآخر لأن هذا هو التحدي الكبير الذي سيواجهه مستقبلا.
التحدي يكون أساسا في القيم الإنسانية والأخلاقية، ففي ظل سيطرة ثقافة انعدام الأخلاق وانعدام القيم على علاقات الشعوب والدول فسيكون المصير هو الأزمات والكوارث ثم الانهيار والموت البطيء. المنظومة الدولية بحاجة إلى إعلان جديد لحقوق الإنسان وبحاجة إلى «أخلقة» العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية وبحاجة إلى إعادة النظر في النظام النقدي الدولي وفي المنظمات الدولية.
عميد كلية الاتصال ، جامعة الشارقة