ماذا يحدث حين تدخل قيم حقوق الانسان مزادات السياسة والمصالح وتصبح مجرّد بضاعة تُباع وتُشترى وبموازين ومكاييل مزدوجة؟.. السؤال مردّه ما أتته السلطات الاسرائيلية يوم أمس حين منعت (ريتشارد فولك) مقرّر الأمم المتحدة لحقوق الانسان من الدخول وإعادته من حيث أتى (إلى جنيف)..
هذا السلوك المستهجن من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلية كان يفترض ألاّ يمرّ في صمت وأن يحرّك على الأخصّ تلك الجماعات التي تمتهن المتاجرة بحقوق الانسان وعودتنا على ملء الدنيا ضجيجا لأبسط الأسباب والتطوع لإعطاء الدروس والمواعظ حين يتعلق الأمر بهذه الدولة العربية أوتلك..
ومع أن الانتهاكات لحقوق الانسان في المطلق تبقى مرفوضة فإن ما تشهده حقوق الانسان الفلسطيني من تجاوزات خطيرة وفظيعة تطال حقّه الأساسي والمشروع في الحياة وفي تحصيل مقمات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب ودواء تبقى فريدة ويفترض أن تحرّك كل السواكن والضمائر وأن تلقى أشدّ عبارات التنديد..
ومع ذلك فإن هذه التجاوزات التي تتكرّر كل يوم بدءا من الاحتلال العسكري المباشر الذي يعدّ أفظع هذه التجاوزات وصولا الى ما تأتيه سلطات الاحتلال من ممارسات قمعية في المدن والأحياء والمعابر مرورا بحصار مليون ونصف مليون نسمة في قطاع غزة يحرمون حتى من الغذاء والدواء، لا تحرك شيئا في محترفي «النضال» باسم حقوق الانسان.. هؤلاء الذين يتسلّحون في مواضع أخرى بصفاقة ما بعدها صفاقة تجعلهم يتجاوزون النواميس والأعراف المعمول بها وينصّبون أنفسهم في موقع من يريد إعطاء الدروس وإن أدّى الأمر الى التدخل في الشؤون الداخلية للدول.. فأين تختفي أصواتهم وضمائرهم حين يتعلق الأمر بممارسات الكيان الصهيوني..
هذه الممارسات التي وصلت بالسلطات الاسرائيلية حدّ منع مقرّر الأمم المتحدة لحقوق الانسان ـ بطمّ طميمه ـ من الدخول، وهي ممارسات يفترض أن تقيم الدنيا ولا تقعدها أولا لأنها تشكّل استهتارا بالمنظومة الأممية واستخفافا بشخص مقرّرها لحقوق الانسان..
وثانيا لأنها تشكل ازدراء بالمهمة النبيلة التي أراد من أجلها دخول الأراضي الفلسطينية وثالثا لأنها تساعد السلطات الصهيونية على فرض تعتيم كامل على ممارساتها القمعية وتجاوزاتها الخطيرة في حقّ الانسان الفلسطيني..
وكل هذه اعتبارات كان يفترض أن تحرّك السواكن لأن السيد ـ ريتشارد فولك ـ لم يحضر بصفته الشخصية ،ولم يحضر للسياحة بل في مهمة تقصّ للحقائق كان يفترض أن يسمح له بإنجازها في كنف الاحترام الواجب للمهمة التي جاء من أجلها وللجهة التي أوفدته للقيام بها.. مع التذكير بأن هذه ليست المرة الأولى التي تسلك فيها السلطات الاسرائيلية هذا النهج.. حيث سبق لها أن منعت لجنة تحقيق أممية من الدخول للتحقيق في مجازر جنين..
إن هذا التصرف الصهيوني المستهجن يكشف العديد من الحقائق.. لعل أولاها استهتار اسرائيل بمؤسسات الشرعية الدولية وبالقرارات التي تصدرها والقيم التي تدافع عنها وحرصها على أن تبقى دولة مارقة وفوق القانون الدولي.. ولعل ثانيتها هي ازدواجية المكاييل التي تتعاطى بها بعض الجهات والنشطاء الذين يتزعمون التحرّك غيرة على قيم حقوق الانسان ودفاعا عنها.. ازدواجية تجعل سقوطهم كبيرا ومدويا وتجرّدهم من أية مصداقية لأنها ببساطة تكشف كساد بضاعتهم تماما كما تكشف الجهات التي تحرّكهم وتحرّك لعبة استخدام حقوق الانسان مطية للتدخل في شؤون الدول والسّعي الى إعطاء الدروس والمواعظ الفارغة.
