تزخر الدراسات العربية والأجنبية بالكثير من الدراسات المؤكدة لحقيقة أن السلطات العربية قد فشلت في بناء الدولة الوطنية الحديثة. ويستدلون في ذلك من خلال الفشل في بناء الهياكل الحديثة للدولة في صناعة القرار، ومركزة القرار في يد أفراد أو قلة وفي حالة الشخصنة التي باتت عليها الدولة العربية في عمومها، وفي فشل مشاريع النهوض الاقتصادي والاجتماعي وفي قلة الجسور التي تربط السلطة بالمجتمع الذي هي جزء منه، وفي تفكيكها لمجتمعات تتكون من مركبات إثنية ذات حساسية شديدة بعضها بالبعض الآخر، أو في توظيفاتها السياسية لهذا التنوع.

فالتعددية الإثنية التي بات يتحدث عنها البعض هي جزء أصيل في المنطقة العربية ولم يكن في ذلك مجلوبا من الخارج أو من صنيعة الاستعمار. وهو مكون كان مندمجا ومتعايشا مع بعضه البعض قبل حقبنا المعاصرة. والتعددية الإثنية هذه لا يمكن الحديث عنها في قطر بعينه دون الأقطار العربية الأخرى. فأين ما تكون في المنطقة العربية يكون هو ممثلا لمجتمعاتها.

ليس فقط كما نقول في حالة صراعاتها العنيفة القاتلة: في العراق ولبنان والسودان وفي صراع قبائلها في الصومال وإنما هو كذلك في مجتمعاتها الأخرى غير المشتعلة: في صراع اثنياتها لأسباب مختلفة أو متقاربة من حيث النوع. وهي سمة كما قلنا ليست لصيقة بمناطق التماس الجغرافي في الجهات العربية الأربع وإنما هي في مجتمعاتها الوسيطة وما بعد الوسيطة.

فهذه التعددية ليست في جلها وبالضرورة دينية- عرقية، وإنما قد تأخذ أبعاداً جهوية: كاختلاف السياقات الثقافية بين الريف والمدن وليس أدل من ذلك في منطقتنا الخليجية من الحالة التي أسماه الدكتور محمد جابر الأنصاري يوما في حالتها الكويتية بثقافة داخل السور وثقافة خارج السور. وهو تمايز جهوي تطبع فضائنا الثقافي والاجتماعي وتطبع بالتالي علاقتنا بأنفسنا والآخرين. وهو تمايز يحمل ما يحمل من المعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية.

وهذا التنوع بهذا المعنى أو المعاني الأخرى تجده في الأردن بين الحضر مقابل الأرياف أو بعض القبائل البدوية المستقرة وهناك الأردنيون مقابل الفلسطينيين-الأردنيين وهناك المسيحيون الأردنيون مقابل المسلمين وهناك الأردنيون من الأصول الآسيوية الوسطى كالشيشانيين وغيرهم من الذين يتشكل منهم المركب الاجتماعي الأردني، وهو مركب يفعل فعله في الفضاء الثقافي والاجتماعي الأردني مقارنة بالمجتمعات التي تفتقر لمثل هذا المركب.

و إذا ما دخلنا في المركب السكاني لأي من المجتمعات العربية فإننا سنجد فيه تعددية ثقافية وإثنية، مركزة وبؤرة الانتساب فيها يتحرك بتحرك الفضاء السياسي القائم. وهو انتساب وفي غياب ثقافة المواطنة والدولة الحديثة فإن بؤرة الانتساب فيه تتحرك وفق المقولات والصراعات السياسية التي تأخذ أبعادا وأطرا دينية أو مذهبية أو قبلية أو مناطقية أو بين أصايل ومجنسين جدد.

وهو انتساب يُدخل فيه البعض ويُخرج الآخر.

و إذا ما كان الانتساب في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي قائما على الانتساب العرقي: العرب مقابل الأعاجم، فإنه قد بات الآن قائما على معطى الدين بتفرعاته وإشكالاته كبؤرة للانتساب، وهو انتساب يختلف مركز الثقل فيه من مجتمع عربي لآخر.

فهو سنة مقابل شيعة في مجتمع ما مقابل مسلمين مقابل مسيحيين في آخر أو أبناء الحمايل مقابل أبناء البياسر في آخر، أو بين أصحاب الأصول القبلية مقابل أبناء العائلات من الحواضر، وفي آخر عرب أصايل مقابل عرب الهولة أو غيرهم من ذوي الأصول العربية أو غير العربية أو ما قد يسمى في بعض المجتمعات الأوربية سكان المجتمع ووافديه أو مستوطنيه الجدد الذين لم تتمثل فيهم بعد الأطر الثقافية المحلية كما يقولون.

و داخل الكتل المتصارعة هناك كتل فرعية تبرز وتختفي بتحرك مركز الثقل في الصراع السياسي والاجتماعي القائم والذي يأخذ في كل مرحلة أبعادا وأشكالا ومسميات مختلفة تختلف باختلاف توجهات الدولة ودرجة تطورها كما هو يختلف باختلاف توجهات ودرجة تطور قوى المجتمع وجماعاته السياسية والاجتماعية.

وإذا ما شكلت حالة الشد بين التسنن والتشيع في الحالة البحرينية وبفعل معطيات الداخل والإطار الإقليمي المشتعل منذ الثورة الإيرانية حتى الآن جزءا من المشهد المحلي. وهي حالة لم تصل إلى حد التنازع والتشابك، بفعل قدرة الفاعلين في ذلك على ضبط انفعالات العامة من تأخذ أبعاداً صراعية عنيفة، وأصبح الحديث في المستويات المختلفة عن تجربة التلاحم في الخمسينيات القرن الماضي، مطلبا حتى عند أولئك الخارجين على الضوابط والأعراف.

فإن سمة جديدة بدت تفعل فعلها في ذلك وبدت بؤرة الثقل في الانتساب تأخذ بعدا أخر أسمته بعض الصحافة المحلية بصراع البحرينيين مقابل البحرينيين «المُجنسين»، وهو تجمع يحمل تعددية أثنية كبيرة وبعضه حديث الحضور في السياقات الثقافية والاجتماعية. هذا التراشق الذي خرج عن حالة التنابز فيه عبر صفحات الجرائد إلى اشتباكات بالأيدي وما تحمل في أكثر من ناحية ومنطقة.. وهو صراع ليس المطلوب هنا وقفه فحسب وإنما العمل بآليات جديدة تعمل على دمج كل المكونات السكانية القديمة والجديدة.

وهذا قد يتطلب العمل على مستويين: قد يأخذ المستوى الأول بحثا عن آليات لتجاوز حالة الشد والشحن المذهبي والجهوي وفي المستوى الآخر العمل على معيار جديد للانتساب يقوم على حقوق المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات وفي المنافع والمغانم.

بمعنى آخر أن تكون المواطنة هي الإطار المشترك للانتساب الوطني، ومثل ذلك لا يمكن أن يحدث إلا عبر مقاربة جديدة للدولة لمثل هذا المشكل، هذه المقاربة التي قد تتطلب تغيرا في الرؤى وآليات المقاربة على مستوى الدولة كما أنه تتطلب تغيرا في الرؤى والآليات ولربما في مضامين الخطاب على مستوى القوى والجماعات السياسية والاجتماعية والدينية.

و تعكس القدرة على تجاوز هذا المعضل عبر الآليات الحديثة تطورا مهما في جهاز الدولة والرؤى الحاكمة لعملها. أي أن قدرة الدولة، أي دولة عربية كانت، على تحقيق حالة الاندماج الاجتماعي يُعد تطورا مهما في هيكل الدولة وتطورا جوهريا في آليات عملها في حين تعكس حالة ما يسميه علماء الاجتماع بحالة الاستبعاد الاجتماعي مهما كان شكله ومضمونه عجزاً في بناء الدولة وخللاً في أدائها لوظائفها الحديثة، وتعثرا في بناء هياكلها وإن جاء بعض ذلك بوظائف معلنة ومستترة على المدى القصير والمتوسط.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com