أثارت تصريحات أوباما الأخيرة بشأن إيران ردود أفعال قوية في كل من طهران وتل أبيب. فالرئيس الأميركى المنتخب قال مؤخرا إن بلاده في حاجة إلى (دبلوماسية متشددة ولكنها مباشرة مع إيران نوضح لها من خلالها تماما أن تطويرها سلاحا نوويا سيكون غير مقبول) وأضاف أن إدارته سوف تستخدم إزاء طهران (الجزرة والعصا) معا.

وعلى الفور صدرت ردود الأفعال من إيران وإسرائيل والمفارقة أن الاثنتين انتقدتا التصريحات وإن لأسباب متناقضة. ففي الوقت الذي قال فيه هاشمى رفسنجاني أن أوباما (يكرر تصريحات سلفه بوش) ويستخدم الأدبيات نفسها، انتقد شيمون بيريز عزم أوباما محاورة إيران معتبرا أن عليه بدلا من ذلك أن يعمل على تحقيق تعاون دولي في مواجهة إيران.

الطريف في الأمر هو أن كل ماقاله أوباما في تصريحاته الأخيرة لم يحمل جديدا على الإطلاق بالمقارنة بما قاله طوال الحملة الانتخابية. فالرجل لم يقل أبدا إنه يسعى لطي صفحة الماضي المأزوم مع إيران ولا هو تعهد بتطبيع العلاقات مع طهران أو بنائها حتى على أسس جديدة.

كل ماقاله أنه يناهض توجهات بوش الذي انهارت الدبلوماسية عموما في عهده حين رفضت الولايات المتحدة التفاوض مع الخصوم والأعداء وكأن المفترض أن تجرى المفاوضات مع المتفقين في الرأي!. بعبارة أخرى فإن كل ما تعهد به أوباما هو فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع إيران وبشأن كل القضايا لا بشكل انتقائي كما فعلت إدارة بوش في نهاية عهدها.

وليست هذه في الواقع المرة الأولى التي يستعمل فيها باراك أوباما تعبير (غير مقبول) لوصف البرنامج النووى الإيراني ولا هي أيضا المرة الأولى التي يفصح فيها عن أن سياسته سوف تكون خليطا من الحوافز والتهديدات.

ومن هنا فإن أي تحليل لما سوف تقدم عليه إدارة أوباما في تعاملها مع إيران لابد أن يذهب في الواقع إلى ما هو أبعد من المنطوق الحرفي لكل تصريح جديد يصدر عن الرجل. فهناك اعتباران على جانب من الأهمية لابد من أخذهما في الحسبان.

أولهما أن قوى نافذة داخل النخبة السياسية الأميركية بالذات في أوساط الديمقراطيين وبعض الواقعيين الجمهوريين قد صارت على قناعة بأنه يستحيل إيجاد مخرج من المأزق الأميركي في العراق دون التوصل لتوافق ما مع إيران. ويرى هؤلاء أن على أميركا أن ترفض الهيمنة الإيرانية على مقدرات العراق ولكن عليها أن تقبل بالنفوذ الإيراني في العراق كأمر واقع لا مفر منه.

ولذلك فإن هذه الدوائر الأميركية تدعم فتح حوار واسع مع إيران وهى تدفع أيضا نحو منح إيران تعهدا أميركيا بعدم استهداف النظام مقابل تعاون طهران في العراق. و(عدم استهداف) النظام لا يعني فقط التعهد بعدم استخدام القوة العسكرية للإطاحة بالنظام وإنما يعني أيضا التوقف عن تأليب القوى والجماعات الإيرانية المختلفة للتمرد على النظام وإضعافه.

بعبارة أخرى، هناك درجة من الوفاق بدأت تتشكل في بعض أوساط النخبة السياسية الأميركية ترى أن الدبلوماسية قد تستطيع أن تحقق مع طهران ما فشلت غلظة إدارة بوش وغطرستها فيه، سواء فيما يتعلق بالملف العراقي أو فيما يتعلق بالملف النووي. ومن شأن هذه الدوائر أن تدفع فعلا نحو فتح الطريق أمام مفاوضات جادة بين واشنطن وطهران.

غير أن هناك اعتبارا ثانيا لا يقل أهمية عن الاعتبار الأول وهو المتعلق بالدور الذي يلعبه أنصار إسرائيل المرتبطين بدوائر المحافظين الجدد خارج دوائر الحكم بل وداخلها.

وليس سرا أن حالة الإجماع التي بدأت تتشكل في واشنطن لصالح الحوار المباشر مع إيران لا تروق على الإطلاق لهذا الفريق.

ولا يروق لهم طبعا إصرار الرئيس المنتخب على فتح قنوات دبلوماسية مع طهران. لكن هذا الفريق الليكودي من أنصار إسرائيل يدرك جيدا أن المحافظين الجدد قد خرجوا من الحكم وأن الرياح في واشنطن تميل عكس ما يشتهون خاصة وأن أوروبا توجه اللوم لأميركا وتحمل سلفها المسؤولية عن الفشل في التعامل مع إيران.

ومن ثم فإن ما يسعي له هؤلاء الآن هو تفجير المسار الجديد من داخله، أي السعي لتحويل المفاوضات المباشرة المزمعة بين واشنطن وطهران إلى مجرد مرحلة أولى لابد منها تسعى من خلالها أميركا لإثبات حسن النوايا وإبراء الذمة أمام العالم والتأكيد على أنها سعت لاستخدام الدبلوماسية.

كما أراد الأوروبيون ومن ثم فلا يحق لأحد أن يوجه لها اللوم فيما تفعله بعد ذلك! فلا غضاضة بعد ذلك من العمل على حشد إجماع دولي يفرض عقوبات قاسية على إيران أو يعزلها دوليا. ويتمنى هذا الفريق بالطبع أن تأتي لحظة تكون فيها الظروف مواتية دوليا وإقليميا لتوجيه ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية بأقل تكلفة سياسية ممكنة.

وبناء على هذين الاعتبارين معا، فلعل أهم ما سوف يميز العلاقة مع إيران في عهد أوباما سيكون على الأرجح الشد والجذب داخل الإدارة نفسها لا فقط بين أميركا وإيران. وفى هذا الصدد، سوف يتوقف الكثيرون على الرموز الذين سيتولون مناصب الصف الثاني في مجلس الأمن القومي ووزارتي الدفاع والخارجية، وما إذا كانت ستضم عددا معتبرا من أنصار إسرائيل المرتبطين بدوائر المحافظين الجدد.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com