بعد غدٍ تنتهي، حسابياً، فترة التهدئة في غزة. الإشارات الصادرة، خاصة عن المسؤولين الإسرائيليين؛ فيها كثير من التلويح وجسّ النبض والتهديد. حرب أعصاب مفتوحة على كل الاحتمالات. جيش الاحتلال الإسرائيلي يشحن أجواء المواجهة، بإعلان حالة التأهب على تخوم القطاع. ترافق ذلك، في الآونة الأخيرة، مع تصريحات تتوعد بعملية كبيرة، حيناً؛ وباجتياح تام، حيناً آخر.
لعبة لإرباك وزيادة تأزم الوضع الفلسطيني. وفي ذات الوقت لإبقاء الخيار العسكري جاهزاً؛ كالعادة. في كل حال، ليس في مثل هذه اللغة أو هذا الاستعداد؛ من جديد. إسرائيل عدوانها حاضر باستمرار. في هذه التهدئة، كما في ما سبقها؛ كسرت الاتفاق مراراً وتكراراً. لا تتركه يأخذ مداه. لكن إذا كان لابدّ من التهدئة، فإن أهميتها لا تكمن في أنها تقي الفلسطينيين شرّ الاحتلال واعتداءاته، بقدر ما تعطيهم فرصة لالتقاط الأنفاس، من أجل الالتفات إلى البيت الداخلي لإعادة ترتيب أموره.
وبالتحديد فيما يتعلق باستحقاقات طال انتظارها، مثل الحوار؛ وبأخرى قادمة وضاغطة، مثل الانتخابات. الأول ضاع بين التأجيل والتعطيل. الشروط والشروط المقابلة، قضت بوضعه على الرف. كان من المفروض أن يكون قد قطع شوطاً متقدّماً، لو سارت الأمور في مجراها؛ قبل أسابيع. الخشية أن عدم انعقاد طاولته حتى الآن، سيجعل من موضوع الانتخابات، مشكلة في غاية التعقيد؛ لا تهدّد بنسف الحوار فحسب؛ بل أيضاً بخطر وقوع تقسيم وربما طلاق، في المؤسسات الفلسطينية. لاسيما أن الأرضية شبه قائمة.
الضفة بحال وغزة بحال أخرى؛ منذ أكثر من سنة ونصف. بل ثمة إشارات عن وجود استعداد للمضي في هذه الدرب؛ المحكومة بالوصول إلى وضع انتحاري. من جهة تنطلق تصريحات حول مواعيد تقريبية، لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، متزامنة.
يقابلها على الفور، إصرار على الفصل بين الاثنين، مع التمسك بإجراء كل واحدة في موعدها المختلف. وبين هذا وذاك تتسرب أسماء لملء المنصب الرئاسي، لو فات الموعد، التاسع من يناير القادم، من دون اختيار بديل للرئيس عباس. رفض التزحزح عن المواقف، في غياب تلاقي وتحاور لتضيق شقة الخلاف؛ يهدّد بذهاب كل فريق إلى آخر الشوط.
وهذا يعني رئيسين لقسمين من فلسطين. كارثة لو انتقل هذا السيناريو إلى حيّز التنفيذ.
لا يعقل أن يكون هناك بحث وأخذ وردّ، بخصوص تهدئة مع إسرائيل؛ في الوقت الذي تلتهب فيه حرب الانتخابات الفلسطينية على قاعدة قطيعة متفاقمة؛ بين أهل القضية الواحدة. ردم الهوّة بات حاجة مصيرية قبل أن يندفع إليها الوضع برمته؛ وبعد فوات الأوان.
