نشرت إحدى الصحف المحلية منذ يومين تقريراً قالت فيه ان 1333 مواطنا قدموا استقالاتهم من البنوك وشركات التأمين خلال النصف الأول من العام الجاري، بسبب تفضيل المواطنين العمل في القطاع الحكومي.
وقد عبر مسؤولون عن استغرابهم من انخفاض نسبة التوطين في هذين القطاعين رغم الحوافز التي يقدمانها للعاملين فيه من المواطنين، لكن الاستغراب الذي أبداه هؤلاء المسؤولون والذي لا يأتي الا لحرص على تواجد المواطنين في كل القطاعات ليس في محله.
فالذي يعرفه الجميع ان القطاع الخاص يقدم رواتب عالية لمعظم المواطنين، ويصقل خبرات ومهارات العاملين فيه باعتبار انه القطاع الأسرع نموا الذي يتيح للموظف ارتقاء سلم الترقيات بصورة أسرع وأسهل من الموظف في القطاع الحكومي لكن اختلاف القطاع الخاص عن الحكومي في بعض المسائل جعل الخاص بيئة طاردة للمواطنين الذين أصبحوا يفضلون العمل الحكومي وان كانت حوافزه أحيانا اقل.
من المسائل المهمة التي كانت سببا في ابتعاد المواطنين عن القطاع الخاص الإجازات والضمانات الوظيفية. فالإجازات بين القطاعين الخاص والحكومي باتت متباينة أكثر من أي وقت مضى، لاسيما ان كنا نتحدث عن إجازات رسمية على مستوى الدولة أصبح المواطن العامل في القطاع الخاص محروما منها.
والحرمان منها يعني الحرمان من وقت يقضيه مع أفراد أسرته وأقاربه الذين يدرسون أو يعملون في قطاع حكومي، وهو الأمر الذي ترتبت عليه ضغوط نفسية واجتماعية دفعت ثمنها الأسرة التي لم تعد تكترث كثيرا لما تحظى به في المقابل من مميزات كالراتب العالي والعلاوات والمكافآت السنوية.
موظف القطاع الخاص ليس مدللا او كسولا كما يتصوره البعض بل انه يحتمل ساعات العمل الطويلة وما تتضمنه من ضغوطات بسبب طبيعة العمل الخاص، ويتقبل إجازة اليوم الواحد في الأسبوع، لكنه في الوقت نفسه غير مستعد للتضحية باستقرار أسرته من اجل حوافز مالية أصبحت تسرق أيام عمره وسعادة أسرته تلك التي تجاهد حتى تلتقي به طوال أيام الأسبوع.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد أصبح المواطنون في القطاع الخاص يخشون استغناء المصارف وشركات التأمين عن خدماتهم بسبب اي أزمة مالية قد تتعرض لها، الأمر الذي دفع كثيرا منهم للبحث عن بدائل حكومية يعتبرونها أكثر ضمانا للموظف الملتزم الذي لا يمكن ان تستغني المؤسسة الحكومية عن خدماته مهما ساءت ظروفها او تعثرت باعتبار انها مسؤولة عنه، ولا يمكن ان تهضم حقه في إعالة نفسه وأسرته.
صناع القرار في الدولة يؤكدون باستمرار على الشراكة مع القطاع الخاص، وقد تبنوا في سبيل ذلك مبادرات لتشجيع المواطنين على الانخراط فيه والاستفادة من الخبرات التي يتيحها ليشغلوا وظائف حيوية فيه دون ان يحصروا أنفسهم في العمل الحكومي.
وطالما ان توجه الدولة يسير في هذا الاتجاه فلابد من تشجيع استمرار المواطنين في «الخاص» من خلال تجاوز سلبياته التي لا يمكن التقليل من أهميتها خاصة ونحن نتحدث عن إجازات وضمانات وظيفية تمس استقرار حياة الفرد وتتعدى على احتياجات أسرته التي لم تعد تحتمل المزيد من الضغوطات.
وتجاوز هذه السلبيات لن يكون الا بحوار تتبناه الجهات الحكومية المعنية بالتوطين والتوظيف مع مؤسسات وجمعيات تمثل القطاع الخاص. هذا ما نأمله وما نرجوه قبل ان نخسر المزيد من المواطنين الذين أثبتوا أنهم اثروا القطاع الخاص بكفاءتهم فأغنوا السوق المحلية.
