على وقع الخلافات المرتبطة بالسيادة الوطنية والخوف من فقدانها، تشهد القارة الأوروبية في الوقت الحاضر سلسلة من النشاطات والتحركات التي ستحدد معالم التطور التاريخي المرتقب والمنهج النهائي الذي سيسلكه.

وانطلاقا من ذلك، فان نتائج القمة الأخيرة للاتحاد الأوروبي قد أضافت بلا شك مسحة تفاؤل على مشروع التكامل الكلّي، أخذا بعين الاعتبار أن الدول الأعضاء قد توافقت في ما بينها على سلسلة من القضايا التي ترضي الجميع وفق مبادئ الحلول الوسط.

وفي هذا السياق مُنحت أيرلندا، الدولة المشاغبة، فرصة إضافية لإظهار ولائها للخيار الأوروبي من خلال استفتاء شعبي جديد سيتم تنظيمه في المستقبل القريب، في حين أبدت القيادة التشيكية مرونة جريئة وجديدة في إظهار انتمائها الحقيقي لأوروبا، في وقت كانت فيه حتى الماضي القريب تعلن عن تشكيكها بخيار التكامل وفق السيناريو الذي كان متّبعا.

كل هذه المؤشرات صدرت فجأة بسبب سلسلة المقررات والإجراءات التي تم التوافق عليها، والتي شكّلت في بعض جوانبها تعديلا لبنود اتفاقية لشبونة التي صادقت عليها حتى كتابة هذه السطور معظم الدول الأعضاء باستثناء الدولتين المذكورتين أعلاه، أي أيرلندا وتشيكيا.

وبينما اعتبرت بعض الأوساط ما جرى بأنه اختراق دبلوماسي حقيقي يؤكد عدم رتابة وجمود الوضع داخل الاتحاد الأوروبي، احتج آخرون، وأبرزهم ممّن يوصفون بالمشككين في عملية التكامل الأوروبية، لأن ما جرى هو بمثابة تعديل للمقررات والبنود والمعايير التي كانت في صلب اتفاقية رسمية تمت المصادقة عليها من قبل معظم برلمانات الدول الأعضاء.

خلاصة القول هو أن ثمة فئة سياسية في أوروبا تصر على محاصرة جهود التكامل بشكلها الحالي، لاعتقادها بأن ما يجري لن يساهم بتوحيد القارة الأوروبية ضمن أطر السيادة الحقيقية لكل دولة، بل سيؤدي في المحصلة النهائية لنشوء الدولة الخارقة كما يصفوها، ما سيعني ذوبان الدول الصغيرة في المحيط الواسع، واستئثار الدول الكبرى مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا بدائرة صنع القرار على كافة الأصعدة.

مؤخرا، برزت إلى العلن مصطلحات جديدة باتت تعكس مجرى الأحداث في أوروبا، كما أظهرت بعض الوقائع بأن ما يجري سيكون له بلا أدنى شك تأثير على تطور حركة التكامل الأوروبي في المستقبل القريب، لأن الصراع بات على ما يبدو مكتملا بين تيارين سياسيين واضحي المعالم.

الأول موال للمبادئ الرئيسية التي قام عليها الاتحاد الأوروبي وترعرع من أجلها حتى وصل إلى مرحلته الحالية. والثاني، الذي يصر على أن يطلق عليه وصف «الأوروبي الواقعي» لا المشكك بعملية التكامل، يحذّر من مخاطر ما يجري حاليا باعتبار أنه سيؤدي لفقدان السيادة الوطنية للدول الصغيرة.

لقد قدّم لنا تطور الأحداث خلال الأسابيع الماضية قراءة أوضح لما ستؤول إليه الأوضاع، حيث تبين بأن الصراع سيتخذ طابعا أكثر ثورية من ذي قبل، وسيساهم بفرز قوى سياسية جديدة تتحدث بشكل واضح وعلني عن رفضها لمشروع التكامل، مثل حركة «ليبرتاس» التي نشأت في أيرلندا، والتي تقوم في الوقت الحاضر باتصالات أوسع للتمدد إلى الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من خلال الأحزاب اليمينية المحافظة.

هذا التطور سيؤدي على ما يبدو لبعض الخضّات الكبيرة داخل الأحزاب المذكورة، وهو ما رأيناه مؤخرا في تشيكيا من خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب المدني الديمقراطي، حيث قرر رئيس الجمهورية فاتسلاف كلاوس التخلي عن منصبه كرئيس فخري للحزب احتجاجا على السياسة الموالية للاتحاد الأوروبي والتي يمارسها الحزب المذكور من خلال الحكومة الائتلافية.

وبرغم الانتقادات التي يتعرض لها حاليا الرئيس التشيكي من كل حدب وصوب إن كان على الصعيد المحلي أم الإقليمي، لكن يبدو من تلك المؤشرات الكثيرة بأنه سيكون خلال المرحلة المقبلة من أبرز محرّكي الأحداث السياسية المرتبطة بحركة التكامل الأوروبي، وذلك انطلاقا من بعض الحقائق التي يمكن إيجازها على الشكل التالي:

لقد أظهر الرئيس كلاوس مواقفه بشكل علني غير قابلة للجدل إن كان قبل انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي أو بعدها.

وهو يعتبر من صقور حركة المشككين بعملية التكامل ولذلك لم يكن أمامه خيار آخر على الصعيد المحلي سوى الانسحاب من حزب كان له الفضل الأساسي بتأسيسه، لأن هذا الحزب حاد حسب رأيه عن المبادئ اليمينية المحافظة التي لا يزال مع غيره من محافظي أوروبا يناضلون من أجل تكريسها كخيار يحكم عملية التطور الأوروبية.

وبرغم تمتعه بالإمكانيات الدبلوماسية والثقافية الرفيعة، إلا أنه لم يتردد خلال قيامه بزيارة رسمية إلى أيرلندا مؤخرا بالاجتماع مع ديكلان غانلي، مؤسس حركة ليبرتاس وأبرز مموّل للحركة الشعبية الأيرلندية المناهضة لعملية التكامل الأوروبي.

وإن دل هذا على شيء فأنه يدل على أن رموز حركة المشككين بعملية التكامل قرروا خوض المعركة بشكل مفتوح حتى لو أدّت لإشكال دبلوماسي رفيع مثلما جرى في أيرلندا، لاعتقادهم بأن الأمور باتت تفلت من أياديهم في ظل ما نشهده من تحركات دبلوماسية على أكثر من صعيد.

قد يقول قائل بأن ما يجري هو تطور سياسي عادي تحكمه ظروف التحركات الدبلوماسية وغيرها. لكن بعض الأمور الحساسة التي تكشّفت أمام من يراقب الأوضاع عن كثب أظهرت بأن التطورات التي نشهدها حاليا هي غير عادية حتما.

فمعسكري الصدام مصرّان على خوض معركة انتمائهما العقائدية لاعتقادهما بأنها الأسلم والأفضل، في حين بدأت الأمور تتدهور بشكل ملفت للنظر، لدرجة أنها لم تعد تولي اهتماما لمعايير الاحترام المفترض توفرها أثناء اللقاءات الرسمية بين ممثلي البرلمان الأوروبي ورئيس الدولة المفترض زيارته.

بالتأكيد، فان ما جرى خلال لقاء رئيس البرلمان الأوروبي والوفد المرافق له مع الرئيس التشيكي مؤخرا كان أكبر دليل على ذلك.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz