بعد سقوط دولة العراق المدوّي بيد الاحتلال الأنجلو ــ أميركي، حدث فراغ أمني وسياسي تم ملؤه بسبحة من الأحزاب السياسية والطائفية العراقية. تتنافس هذه الأحزاب في ما بينها حتى الرمق الأخير.
لا تمانع تلك الأحزاب في استخدام الوسائل السياسية والإعلامية والدعائية، وحتى اللجوء إلى المواجهة الميدانية المفتوحة مع الأحزاب الأخرى للاستحواذ على السلطة وصناعة القرار، ومجموعة الأتباع أو الأنصار من عموم البشر خاصة الدهماء.
لتحقيق تلك الأهداف باتت ظاهرة التعميم، أي تعميم التمثيل للغير، سمة مميزة للنشاط الحزبي العراقي الذي في معظمه يدور حول شخصية فردية واحدة.
العقلية القبلية والعشائرية الإقطاعية التقليدية البائسة، لا تزال تسيطر على عقول القيادات السياسية وأتباعها. من كان يقطن منطقة يسيطر عليها حزب فليحسب نفسه ضمن دائرة فكر ومنهجية ذلك الحزب، شاء أم أبى أم جُنَّ أم إلى عقله احتكم.
بشيء من التفصيل الممل والمتكرر، فإن الأحزاب الإسلامية الشيعية والإسلامية السنية والكردية، تتنافس على الاستحواذ على الأتباع بطريقة تعميم مذهبية شمولية بائسة تغطي كافة المناطق العراقية. بدءاً بالشمال الجغرافي العراقي، هنالك ما يعرف بالحزبين الرئيسيين التقليديين اللذين يترأسهما جلال الطالباني ومسعود البرزاني. الناظر من بعيد إلى المشهد العراقي في الشمال يحسب أن هذين الحزبين يستحوذان على جل شؤون وتطلعات وطموحات أهل المنطقة، خاصة من ذوي العرقية الكردية.
ليس بوسع ذلك الناظر أن يتفكر في السجون هناك التي تحتوي أعداداً متزايدة من المعارضين لتلك المنهجية الطالبانو - برزانية الحزبية المعهودة منذ عقود من السنين. بسبب شمولية وعمومية التمثيل ينسى المرء أن داخل نفس المنطقة هناك الأحزاب التركمانية والكلدو- آشورية والأحزاب الصغيرة الأخرى التي تمثل الطوائف اليزيدية والصابئة والشَّبَك وغيرها.
الأمر ذاته ينسحب على وسط العراق وجنوبه، إذا ما قررنا التمادي في تقسيم العراق بناء على الحظر الجوي المفروض على العراق منذ العام 1991.
بطريقة إقطاعية شمولية تعتمد تعميم الاستحواذ على الإرادات للغير، تسعى فيها الأحزاب المذهبية والسياسية للسيطرة على الموقف وتجييره لصالحها. يحدث ذلك سواء في التناحر اليومي على السيطرة على الأحياء وضواحي المدن والمدن بأكملها، أو تحضيراً لأية مواجهات أو انتخابات قد تجري بطريقة أو بأخرى.
حقيقة جل البشر عبر العالم وفي منطقة الشرق الأوسط خاصة والعراق أكثر خصوصيةً، تُحصد أصواتهم ويُحسبون على أنهم من أتباع هذا الحزب وذاك بناء على منطقة تواجدهم، جغرافياً وفكرياً. هذه النزعة العامة تجعلهم فريسة سهلة لفتوى دينية أو مذهبية أو سياسية حزبية تصدر من هذا المرجع أو ذاك، بطريقة محددة مسبقاً زماناً ومكاناً.
تبعاً لهكذا منهجية مهترئة تختفي التفاصيل الصغيرة، لكن المهمة في الطريق التقليدي لإنجاح أو توطيد شخصية هي في الأصل موطدة بما فيه الكفاية ومنذ زمن بعيد. يصبح التغيير المطلوب هنا أقل من سطحي، حين تستمر أمور تمثيل البشر على ما هي عليه إلى أجل غير مسمى.
الذي فرح بتغيير النظام الحاكم عقب الاحتلال، يواجه الآن وضعاً زئبقياً لا يُحسد عليه، بسبب كثرة الوجوه التقليدية الراغبة في استلام مقاليد الأمور. التغيير المطلوب هو أن يضطلع كل عراقي على انفراد ما أمكن بمسؤولياته، ويعطي ولاءه أو صوته أو نصرته لمن يعتقد أنه يسعى لمصلحة الجميع شعباً ووطناً ومستقبلاً.
المثل الغربي، وبالذات الأميركي في تطبيق الديمقراطية، ليس مثالياً ولو بالحد الأدنى حين يُقسم المواطنون في كل الولايات المتحدة بين أنصار الحزبين الديمقراطي والجمهوري بطريقة شمولية بائسة. غير معقول أن أكثر من 300 مليون أميركي هم إما جمهوريون أو ديمقراطيون.
يجب إفساح المجال للتيارات والأحزاب السياسية والفكرية الأخرى كي تمارس وجوداً أو تمثيلاً معبّراً. ذلك أفضل من أن يصبح المشهد الأميركي منحسراً فقط بين مؤيدين لشخصين اثنين يمثلان فقط حزبين، مثل باراك أوباما أو جون ماكين في آخر مشهد انتخابي أميركي. حقيقة هذه إقطاعية سياسية أميركية، تقترب كثيراً من طريقة الحكم الشمولية في دول الحزب أو الشخص الواحد الحاكم.
الحضارة في بلاد ما بين النهرين من المفترض أن تكون أكثر نضجاً بسبب امتدادها التاريخي إلى حوالي سبعة آلاف عام. إذا ما أدخلنا مفاهيم وأخلاقيات الدين الإسلامي في التمثيل، فإن ذلك ما يزيد من نضج وحكمة تمثيل الكتل والأفراد والمجموعات الصغيرة والكبيرة.
في الإسلام هنالك نصوص صريحة عند إعطاء الغير الثقة، من مثل «لا يكن أحدكم إمعة»، وأقوال من مثل «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً». إذا ما اتبعت مثل هذه «القواعد الذهبية» فذلك ما يغني طريقة التمثيل للعراقيين بمزيد من الأصوات القيّمة، ويقلل من شأن التعميم ذي النتائج البائسة والمعروفة سلفاً.
حقيقة للتخلص من فكرة التعميم والحد من الاستحواذ على فكر ورأي الآخرين بطريقة نصب واحتيال شبه بلطجية، لا تأتي النتائج بين عشية وضحاها. هنالك تغيير في المنهجية لدى البشر يجب أن يخضعوا لها، بدءاً بتعميم نظام تربوي وتعليمي يلغي عن الآخرين صفة القدرة المميّزة أو المنتقاة لتمثيل الآخرين دون الأخذ الحقيقي بآرائهم. في ذلك، على كل فرد مشمول أن يستعمل عقله وخبرته ومعرفته بأمور الحياة، لتقرير من يمثله أو يتربع على كرسي السلطة والجاه والحكم نيابة عنه.
يمر العراق بفترة حرجة داخلياً وهو موضوع تحت المجهر الدولي، من قبل الشعوب في الجوار والمنطقة والعالم. العراق مقبل على مرحلة مصيرية في الانتخابات وتشكيل وتقرير مصيره. على قادة الأحزاب الرئيسية الفاعلة أن لا يستمروا في الاستخفاف بالذكاء الانفرادي للفرد الواحد والمجموعات الصغيرة. إن زمان حكم الأغلبية العددية المطلق قد ولى منطقياً وعلمياً وعملياً.
كثيرون هم أتباع الأقليات أو حتى الأفراد من القادرين على القيادة وإغناء التجربة الديمقراطية، مقارنة بهؤلاء الذين يتربعون على قمة عرش المجد الإقطاعي، إذا جاز التعبير! بعبارة أخرى يجب إعطاء حرية التعبير والتفكير للجميع بالتساوي قدر الاستطاعة. وبطريقة أخرى أكثر تعبيراً، فإن زمان الزعيم الأوحد والحاكم الأوحد بأمر الله والخادم الوحيد المخلص الأوحد للشعب والطائفة والحزب، يجب أن يكون قد ولى وإلى غير رجعة!
جامعة الإمارات