نادراً في التاريخ المعاصر للولايات المتحدة الأميركية، أن يجد رئيس منتخب في السياسة الخارجية إرثاً محفوفاً بالمخاطر، وأرضاً مزروعة بالألغام، كما هو الحال مع الرئيس المنتخب باراك اوباما، الذي يرث من سلفه ثماني سنوات من السياسة الخارجية المضللة لإدارة الرئيس بوش في الشرق الأوسط.
فبعد أن أعلن اوباما في أول ديسمبر الجاري عن تشكيل فريقه الحكومي المكون رسميا من وزرائه ومستشاريه الكبار لشؤون الأمن القومي الذي سيقود السياسة الخارجية الأميركية، ينتظر الأميركيون معرفة ما هي أولوياته الدولية، ولاسيما أن الأمل في التغيير الذي يجسده أوباما يمنحه حسب الاعتقاد السائد في واشنطن حرية أكبر.
عندما استشاره فريق اوباما، قال زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في إدارة كارتر، وعضو مجلس الأمناء في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية :«لدى أوباما فرصة وحيدة لكي يفرض رؤيته على العالم بسرعة جدا(...)الأولويات المباشرة تكمن في إعادة إنعاش العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإعادة تحريك المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والتحرك نحو إيران، إذ إن هذه الملفات مترابطة. وعلى الرئيس أوباما أن يقدم مفهومه الاستراتيجي، ثم بدء المناقشات مع حلفائنا، وكذلك مع الصين وروسيا.علينا أن نتوقف عن اتخاذ قرارات بمفردنا. نحن أقوياء، ولكننا لسنا أقوياء كفاية».
يعتقد الكثيرون في واشنطن، أنه إضافة إلى الدبلوماسية مع الحلفاء والقوى العظمى الأخرى، على الرئيس أوباما أن يجسد «التغيير»الذي وعد به العالم من خلال اتخاذ قرارات تتعلق بالحروب المفتوحة في كل من أفغانستان وباكستان.
وقد كان «مفعول أوباما» له وقع في أفغانستان، مع تأكيد الناطق الرسمي للجيش الأميركي الكولونيل غريغ جوليان، يوم 23 نوفمبر الماضي، عن إرسال فرقة أميركية مكونة من 3500 إلى 4400 عسكري إلى شرق أفغانستان في شهر يناير 2009.
إنها المرحلة الأولى من حركة تعزيز الوجود الأميركي في أفغانستان الذي سيترجم بإرسال ما يقارب 20000 جندي إضافي، طالبت بهم القيادة العسكرية الأميركية العليا لمحاصرة حرب العصابات التي تخوضها حركة طالبان، سيضافون إلى 32000جندي أميركي موجودين من قبل من أصل 70000 عدد القوات العسكرية في التحالف الدولي المتمركز في أفغانستان.
وما انفك الرئيس المنتخب أوباما يردد طيلة حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية أن أفغانستان هي المصدر الحقيقي ل«لإرهاب »الذي يجب تصفيته. وطالب بسحب القوات الأميركية من العراق لإعادة نشرها فوق الأراضي الأفغانية.
فبعد سبعة أعوام من سقوط نظام طالبان، وأربع سنوات من تشكيل الحكومة الأفغانية المنتخبة، عادت حركة طالبان إلى القيام بنشاط عسكري فاق كل التصورات، إذ زادت العمليات العسكرية داخل كابول ولعل أبرزها محاولة اغتيال الرئيس الأفغاني حامد كرازاي في 27 ابريل 2008، وعملية الفرار الجريئة التي قام بها أكثر من أربعمائة عنصر من طالبان من سجن قندهار في يونيو الماضي، إضافة إلى اعتماد إستراتيجية ضرب خطوط الإمداد للحلف الأطلسي، التي تمر عبر الأراضي الباكستانية، والتي أثبتت حتى الآن فعاليتها ونجاحها في إلحاق الأذى بمصادر التموين للحلف الأطلسي.
فالحرب الثالثة الحقيقية بدأت منذ العام 2006، وهي الحرب السرية التي تخوضها وكالة المخابرات المركزية الأميركية والقوات الخاصة داخل باكستان، والتي تستخدم فيها طائرات الاستطلاع الأميركية التي تقصف أهدافا يفترض أنها محددة الهوية تابعة لمتمردي تنظيم القاعدة الذين وجدوا ملاذا آمنا في المناطق القبلية المحاذية للحدود الباكستانية ـ الأفغانية. فالجبهة المركزية للحرب ضد القاعدة لم تعد لا العراق، ولا أفغانستان، بل باكستان المكان المقدس للقاعدة.
يقول بارنيت روبن وأحمد رشيد في مقالهما المشترك: «باكستان مفتاح الاستقرار في أفغانستان» المنشور في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية 11 /2008: «حريّ بالولايات المتحدة التخلي عن خطاب بوش في الحرب على محور الشر والإرهاب، وانتهاج سياسة تميز بين خصومها والإرهابيين العالميين، مثل أعضاء القاعدة الناشطين بأفغانستان وباكستان، عن طريق التوصل إلى حل سياسي والتفاوض مع أكبر عدد من المجموعات المتمردة الباكستانية والأفغانية، وإدارة المناطق القبلية الفيدرالية في المؤسسات السياسية والإدارية الباكستانية.
كاتب تونسي