بدعوة كريمة من المعهد العربي لإنماء المدن، حضرت الندوة الدولية الثالثة لمدن المعرفة التي نظمها المعهد في مدينة اسطنبول ما بين 19 ـ 17 نوفمبر 2008، بالاتفاق والتعاون مع بلدنها.
شارك وحاضر في الندوة مجموعة من الأساتذة والمختصين، من أميركا وأوروبا وبعض الدول العربية ومن تركيا الدولة المضيفة ومع الأسف لم يشارك أحد من مدن الإمارات، وكان ذلك ملفتا للنظر، خاصة وأننا نتباهى باستخدام وسائل المعرفة والتكنولوجيا المتطورة في أكثر من موقع في مدننا، ونفتخر بالتقدم في استخدامها على مستوى الوطن العربي، لكن حتى لو كنا متقدمين إلى حد ما، فإن المعرفة لا حدود لها، ونحتاج دائما المزيد للارتقاء ومجاراة من سبقونا، بل التفوق عليهم.
أو على الأقل كان يمكننا الحضور لمشاركة ونشر ما توصلنا إليه ليعم النفع والاستفادة، مع ذلك فالندوة حققت أهدافها ونجح المحاضرون في إبراز الوسائل التي وصل إليها العالم في مجال المعرفة وسبل استخدامها في البنية الأساسية للمدينة.
اسطنبول مدينة تفتح ذراعيها لتضم آسيا وأوروبا، وهي بوابة التقاء القارتين، مساحتها الأكبر تقع في أوروبا، وهي مدينة جميلة تلبي مختلف الأذواق. وتعد هذه الزيارة الثالثة لي لها، وفي كل مرة أكتشفها من جديد، زيارتي الأولى لها كانت عام 1996 لحضور مؤتمر المستوطنات البشرية «بءةشءش» وكان عمدتها حينها «رجب طيب أردوغان» الذي تعرفت عليه لأول مرة خلال هذا المؤتمر واستمر تواصلنا إلى يومنا هذا، والذي أصبح فيما بعد رئيسا لوزراء تركيا، ومن هنا بزغ نجم هذا الرجل الذكي الطموح وآمن الشعب التركي بقدراته وقدم له كل الدعم والمساندة للوصول إلى كرسي الحكم، بعد أن رأى منه العمل الجاد بإخلاص في مدينة اسطنبول التي لم يبخل عليها بوقته وجهده في سبيل إرضاء سكانها.
ومنذ ذلك الوقت وكل عمدة يحكم المدينة هو من حزب العدالة والتنمية، لثقة الأتراك في التغيير الذي أحدثوه منذ وصولهم إلى الحكم، ولأنهم يعملون بنفس الروح والحماسة التي بدأها رجب طيب أوردغان.
اسطنبول مدينة المناظر الطبيعية والجو الرائع، والمعالم التاريخية المتنوعة، ولم يكن ينقصها إلا روح الإبداع والعمل بإخلاص من المسؤولين الحاليين في تركيا الذين حققوا، ليس لها فحسب بل للدولة، نجاحات سياسية واجتماعية واقتصادية أثارت إعجاب الجميع وأصبحت فعلا تجسد قول نابليون عنها: «لو كان العالم دولة واحدة لكانت اسطنبول عاصمة له» يبلغ عدد سكان اسطنبول حوالي 12 مليون نسمة مع ذلك نظافتها تبهر الزائر ويجد راحته لممارسة مختلف الهوايات.
وتستعد اسطنبول حاليا للقب عالمي عام 2010 وهو «مدينة العالم الثقافية» حيث تقوم السلطات المحلية بالتجهيز لهذا الحدث، وذلك بترميم وصيانة المعالم الأثرية والتاريخية. ويقال إن عدد مساجدها حوالي عشرة آلاف مسجد أشهر مسجد أيا صوفيا.
اسطنبول كانت معروفة فيما مضى بالقسطنطينية، وقد ورد في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وأول محاولة لفتحها كانت في عهد معاوية، وتلتها عدة محاولات وكل قائد حاول فتحها كان يأمل في أن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن فتحت على يد محمد الفاتح عام 1435م.
واللغة العربية لها مكانة واضحة في اللغة التركية ومفرداتها فيها كثيرة، يقول أحد الخبراء أن اللغة التركية مكونة من 60% عربية و 25% فارسية و 15% تركية.
ولأن وقتي هذه المرة كان أكثر في كل زياراتي السابقة، زرت بعض المواقع التاريخية، منها مسجد وميران با يزيد وهو اسم ابن محمد الفاتح، كما زرت السوق الكبيرة التي يرجع تاريخ إنشائها إلى حوالي 700 سنة وجزء «منها يسمى» سوق الصحافيين وهي مزدحمة بالسياح والمواطنين الأتراك من اسطنبول وخارجها، وتجد فيها البضائع التقليدية والحديثة، ورغم كبر حجمها وشكلها القديم وتنوع بضائعها، إلا أنها نظيفة ومعاملة تجارها أنظف.
ومع أن اسطنبول عاصمة المراكز الثقافية والمتاحف والمساجد والتي يمكن زيارتها برسوم رمزية وأحيانا مجاناً، إلا أني استغربت عندما عرفت من أحد الأصدقاء الأتراك أن البيت الذي صورت فيه أحداث أحد المسلسلات التركية تبلغ رسوم زيارته 50 دولاراً، مع أن رسوم أقدم وأشهر موقع تاريخي في اسطنبول وهو مسجد «أيا ضوفيا» لا تتعدى «15 دولاراً» والسبب كما قال لي الصديق هو توافد العائلات العربية لزيارة الموقع، بسبب متابعتها للمسلسلات التركية التي اكتسحت البيوت العربية في الآونة الأخيرة دون استئذان ولم يعد يشغلها الا مشاكل أبطالها!!
ترى ما الذي يشدهم ويستهويهم للوقوف في طابور لزيارة بيت عادي صورت فيه قصة وهمية ليس إلا؟! أصبحنا في زمن العولمة بهذه السطحية حتى لم تعد لدينا الرغبة في زيارة معالم تاريخية تذكرنا بالقصص البطولية التي لم تعد تؤثر فينا مآسي وفواجع وأحزان قصص واقعنا العربي!!
وكأن الشعوب العربية يئست في قصصها الواقعية التي لا نهاية لها، لذا فهي تبحث عن نهاية خيالية في المسلسلات البرازيلية والمكسيكية والأرجنتينية وغيرها، وهي في موقعها وواقعها كما هي عليه!!
والآن جاء دور المسلسلات التركية، وقد تأتي السنوات القادمة بغيرها، صينية أو منغولية لا يهم، المهم أننا متابعون منتظرون حالمون بوضع أفضل!