من المؤكد أن الرئيس بوش لن يأمر بإجراء تحقيق مع وزير دفاعه السابق دونالد رامسفيلد بشأن عمليات تعذيب المعتقلين في غوانتانامو والعراق وأفغانستان لأن مجريات مثل هذا التحقيق سترتد إلى الرئيس نفسه ـ صانع الحيل القانونية التي تلقى الوزير بموجبها ضوءاً أخضر.
ولكن ماذا عن الرئيس الجديد غير المتورط في هذه الأفعال الشائنة؟ هل يأمر باراك بعد أن يتسلم مهام منصبه بمحاسبة رامسفيلد وغيره من كبار المسؤولين وفقاً لمتطلبات سيادة القانون وأخلاقيات النظام الديمقراطي؟
للحديث مناسبة معينة، فقد أصدر مجلس الشيوخ الأميركي خلال الأسبوع الجاري تقريراً خطيراً يحمِّل فيه الوزير السابق رامسفيلد ومسؤولين آخرين في إدارة بوش مسؤولية إساءة معاملة المعتقلين في السجون الأميركية خارج الولايات المتحدة وتحديداً في معسكر غوانتانامو والعراق وأفغانستان. ويقول التقرير إن موافقة رامسفيلد على استخدام أساليب استجواب غير مشروعة تمثل انتهاكاً فاضحاً للقانون.
ووفقاً للتقرير، فإن هذه الانتهاكات لم تحدث ببساطة نتيجة لتصرف قلة من الجنود من تلقاء أنفسهم، وإنما كان الجنود يتصرفون بناءً على توجيهات من مستوى السلطة العليا في وزارة الدفاع الأميركية. ويقول التقرير إن رسالة المسؤولين على المستوى العالي كانت واضحة: «استخدام إجراءات معيَّنة والإساءة إلى المحتجزين أمور مقبولة».
وانتقد التقرير محاولات المسؤولين الكبار تجنُّب أي مسؤولية في هذا الصدد بإلقاء التبعة على من دونهم من الموظفين. وأشار التقرير إلى اجتماعات كانت تجمع وزير الدفاع مع كبار الجنرالات لمناقشة وسائل التعذيب. وكان الوزير يصدر توجيهاته بناء على هذه المناقشات. ومن المثير أنه كان من المشاركين في هذه الاجتماعات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، بحسب التقرير.
وإجمالاً، يمكن القول إن الوقائع الواردة في هذا التقرير ترقى إلى مستوى جرائم بموجب القانون الجنائي الأميركي. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: إذا كان مفهوماً أن الرئيس بوش لن يأمر بتحقيق خشية أن تتطرق مجريات التحقيق إلى أوامره التنفيذية التي تسوِّغ تعذيب المعتقلين باسم «تقنيات الاستجواب»، فهل نتوقع أن تكون هذه المسألة من بين أولويات الرئيس الجديد؟
المؤشرات الأولية غير مشجعة. لماذا؟ إذا كان مثل هذا التحقيق يقع ضمن اختصاصات وزارة العدل، فإن الشخص الذي رشحه الرئيس أوباما ليتولى منصب وزير العدل ـ إيريك هولدر ـ يُعتبر من مناصري سياسة بوش في ابتداع حيل قانونية لتبرير إساءة معاملة المعتقلين واحتجازهم لأجل غير مسمَّى من دون تقديمهم إلى محاكمة. هكذا يثبت رويداً أن «التغيير» الذي يبشِّر به أوباما لم يكن ـ مع غموضه ـ سوى مجرَّد شعار انتخابي.