تقدمت مجموعة «تريبيون» المالكة لثماني صحف يومية رئيسة والعديد من المحطات التلفزيونية بطلب لحمايتها من الدائنين بموجب قانون الإفلاس بعد انهيارها تحت عبء الديون الضخمة، ويأتي ذلك بعد عام من تحويل المجموعة الصحافية الأميركية إلى شركة خاصة بعد أن اشتراها ملياردير العقارات «سام زيل».

ومثل صحف أميركية كبرى أخرى تقع «تريبيون» التي تصدر عنها صحيفتا «لوس أنجلوس تايمز» و«شيكاغو تريبيون» تحت ضغط تراجع عائدات الإعلانات والتوزيع مع إقبال المزيد من الناس على قراءة الأخبار على الإنترنت، ومع خفض الشركات ميزانياتها التسويقية بسبب الأزمة الاقتصادية. ووفقاً لطلب إشهار الإفلاس فإن قيمة أصول «تريبيون» المالكة أيضا لصحيفتي «بالتيمور صن» و«أورلاندو سنتينل» تبلغ 6,7 مليارات دولار وديونها 97,12 مليار دولار، وتملك «تريبيون» أيضاً 23 محطة تلفزيونية.

ويصارع ناشرو الصحف الذين لم يحصلوا على قروض كبيرة أيضا من أجل التكيف مع أسوأ أزمة مالية منذ عقود، فصحيفة «نيويورك تايمز» تعيد تقييم أصولها بخفض التوزيعات النقدية على المساهمين، كما تفيد تقارير إعلامية بأن شركة «مكلاتشي» تجري محادثات مع مشترين محتملين بشأن بيع «ميامى هيرالد» وتعيد صحيفة «منيابوليس ستار تريبون» الهيكلة.

هذا هو ملخص ما جاء في أخبار الأسبوع الماضي من جديد تداعيات الأزمة المالية العالمية وتأثيراتها على كافة القطاعات، حيث لم يقتصر هذا التأثير على قطاع البنوك والعقار فقط باعتبار الأزمة أزمة ائتمان عقاري قبل أي شيء آخر.

الأمر الذي يعني أنه إذا كان العاملون في أجهزة الإعلام يعتقدون أنهم بمأمن من تأثير الأزمة فإن عليهم اعتبارا من هذه اللحظة أن يتوجسوا خوفا، لا نقول هذا لزملائنا البعيدين العاملين هناك في وسائل الإعلام الغريبة لأنهم أكثر إدراكا منا لحجم الكارثة وأكثر منا استعدادا لنتائجها، وإنما نقوله لأشقائنا هنا في وسائل الإعلام العربية التي يبدو أنها تحلق بعيدا ولا تعيش الواقع الذي يعيشه العالم من حولها، بدليل هذا الزخم الذي تشهده الساحة الإعلامية العربية على كافة المستويات؛

زخم في الإصدارات الصحافية لا يتناسب مع نسبة القراءة بين الشعوب العربية التي تؤكد تقارير التنمية البشرية الدولية وتقارير التنمية الثقافية العربية تدنيَها عاما بعد عام، ولا مع سوق الإعلان الذي تتقاسم كعكته كل هذه الوسائل في رقعة تعتبر محدودة إذا ما قارناها مع سوق وسائل الإعلام الغربية ذات الامتداد الجغرافي الكبير.

لا نقول هذا من منطلق أننا ضد التوسع في الإصدارات المطبوعة من كتب وصحف ومجلات التي تمثل ظاهرة حضارية إذا ما خضعت لشروط معينة، ولا في إطلاق القنوات الإذاعية والتلفزيونية الجادة والهادفة، في عصر انفتحت فيه أبواب الفضاء وغدا يموج بآلاف القنوات من كل لغة ولون وملة، فنحن في ظل هذا الوضع أحوج ما نكون إلى وسائل إعلام تتصدى لهذه الهجمة التي تتعرض لها معتقداتنا وأخلاقنا وهويتنا، ليس نتيجة مؤامرات تحاك ضدنا وإنما بحكم كوننا جزءا من هذا العالم المنفتح على بعضه.

وبحكم أن لكل وسيلة إعلامية تأثيرا لا يمكن إنكاره بغض النظر عن حجم هذا التأثير مهما حاولنا أن نحمي أنفسنا منه، ولذلك أيضا فإن ما يقارب 500 قناة فضائية عربية تبث في سمائنا حتى الآن وفقا لآخر الإحصاءات ربما لا تكون كافية للوقوف في وجه هذا الزحف الفضائي إذا ما وضعنا في الاعتبار أن المشكلة ليست في عدد هذه القنوات وإنما في نوعية ما تقدمه من برامج، فالقضية قضية كيف وليست قضية كم، والأمر ينطبق أيضا على الإصدارات التي تقدمها لنا المطابع العربية، رغم تدني نسبة القراءة في العالم العربي إلى الدرجة التي تدعو للخجل مقارنةً بمثيلاتها في الدول الأخرى.

ولأن المسألة قد خرجت عن نطاق الرسالة التي يجب أن تحملها هذه الإصدارات والإذاعات والقنوات التلفزيونية لتدخل في نطاق التجارة التي تمارسها دون مراعاة الحد الأدنى من القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي يجب أن تلتزم بها، فإن الخوف كل الخوف من أن ينعكس تأثير الأزمة المالية العالمية على الوسائل الإعلامية الملتزمة ذات المضامين الأخلاقية العالية والأهداف السامية فتخسر هذه الوسائل المعركة، بينما تنجو بجلدها الوسائل الإعلامية ذات الأهداف التجارية البحتة والمضامين غير الأخلاقية فتستمر هذه الوسائل في بث رسائلها الهابطة.

لذلك نعتقد أننا على مفترق طرق، نخشى أن تجد فيه مؤسساتنا الإعلامية المحترمة نفسها في وضع لا تحسد عليه فتضطر إلى الانسحاب من الساحة أو اللجوء إلى ما أقدمت عليه مؤسسة «تريبيون» الأميركية، وكلا الأمرين سيء لا يسعد أولئك الذين لا يزالون يأملون خيرا في تصحيح المسار، وإما أن تضطر هذه المؤسسات إلى التخلي عن رسالتها، وهذا هو الأمر الأسوأ الذي لا نتوقع ولا نتمنى حدوثه.

إن واقع الحال يقول إننا نعيش عصر التكتلات والتحالفات الكبيرة، يحدث هذا على مستوى الدول كما يحدث على مستوى المؤسسات المالية والشركات، لذلك شاهدنا بنوكا كثيرة تلجأ إلى الاندماج لتحمي نفسها من تقلبات السوق وعدم استقراره، كما رأينا شركات كبرى تلجأ إلى تقليص مصروفاتها إلى الحد الأدنى لتحمي نفسها من الانهيار والإفلاس، ولا نعتقد أن وسائل الإعلام بعيدة عن هذه الخطوة في ظل المصاعب المالية التي تواجهها الآن أو ستواجهها في المستقبل.

ولهذا نأمل أن لا يبقى في الساحة سوى المجموعات الإعلامية والمؤسسات القوية ذات الرسائل الهادفة، ونتمنى أن تختفي من على خارطة إعلامنا العربي الكثير من المطبوعات والإذاعات والقنوات التلفزيونية التي هي أشبه ما تكون بالبقالات ومحلات السوبر ماركت الصغيرة التي تبيع بضاعتها إما للمراهقين والشباب الذين يعانون من الفراغ مستغلة عواطفهم، أو تقوم بتسويق أفكارها الهدامة بين بعض طوائف الأمة لإذكاء نار الفتنة بين أفرادها وتفريقهم كما تفعل بعض وسائل الإعلام ذات النعرة الطائفية البغيضة التي لا نحب أن نراها بين طرفي الأمة سنةً وشيعة.

فهل نحن مقبلون على تصفية في الساحة الإعلامية العربية جراء الأزمة المالية العالمية؟ هذا ما نتمنى أن يحدث وفق نظرية أحجار «الدومينو» ولكن على النحو الذي يخلصنا من الغث الذي يملأ ساحة إعلامنا ويكدر مياهها.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com