يضع الكثيرون آمالاً واسعة على الرئيس المنتخب الجديد في البيت الأبيض باراك أوباما، ويعتقد الكثيرون أن لدى أوباما خططا واستراتيجيات جديدة ستحدث تغييرات واسعة في السياسة الأميركية داخليا وخارجيا، ولكن على ما يبدو أن الأمر ليس كذلك، وأن أوباما الإنسان بماضيه المميز وانتماءاته الغريبة على الرئاسة الأميركية ربما لن يكون أكثر من مجرد صورة خارجية لسياسات سيتم التخطيط لها والاتفاق عليها في دهاليز أخرى غير المكتب البيضوي في البيت الأبيض، وهذا ما يبشر به التشكيل المطروح للإدارة الأميركية القادمة في مطلع العام المقبل.
وتصف الصحافة الأميركية حكومة اوباما بأنها «مجلس وزراء خصوم». ويجرى تشكيلها، على حد الزعم، على غرار مجلس وزراء الرئيس الأميركي السادس عشر ابراهام لينكولن (1861 - 1865)، الرئيس المفضل لباراك أوباما في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، إذ لدى اوباما أيضا جميع الوزراء يعتبرون شخصيات قوية، والتعايش فيما بينهم صعب، ولكنهم يعرفون وظائفهم المهنية جيدا. ومع ذلك إذا كان فضاء «الاستقلالية» لدى شخصيات لينكولن القوية محدودا جدا بسبب الحرب الأهلية وقتذاك، إذ كان من الممكن اتهام من يحيد عن نهج الرئيس بالخيانة العظمى، فإن هذا العامل الكابح لا يتوفر لدى اوباما.
لكن يوجد لديه عامل آخر يتمثل بالأزمة المالية والاقتصادية التي لا مثيل لها. ولذلك جرت التعيينات الهامة الأولى في القسم الاقتصادي من مجلس الوزراء. وأعلنها أوباما شخصيا في مؤتمر صحافي في شيكاغو حيث أعلن عن تشكيل إدارته في 24 نوفمبر الماضي . فعين لورنس سامرز، وزير المالية في إدارة كلينتون، بمنصب كبير المستشارين الاقتصاديين لرئيس البلاد المنتخب الجديد. و الكثيرون يعتبرون سامرز نابغة. فقد أصبح بروفيسورا في جامعة هارفارد وهو في الثامنة والعشرين من عمره.
ولكن تلك الحقيقة لا تشكل ضمانة لنجاحه في معالجة الأزمة. خاصة وطباعه حادة لا تحتمل، وسيكون من الصعب نتيجتها الحصول على موافقة أعضاء مجلس الوزراء الآخرين والكونغرس على أفكاره وتمريرها.
وأصبح وزيرا للخزانة تيموثي غيثنر الذي كان يترأس بنك الاحتياط الفدرالي فرع نيويورك (فرع من البنك المركزي الأميركي)، ووزيرا للتجارة ـ محافظ ولاية نيو مكسيكو بيل ريشاردسون، مرشح سابق لمنصب الرئاسة. ويتعين على هذا الثلاثي ضمان انتقال الولايات المتحدة إلى صنف «المتعافين بثبات».
ولكن الأهم الذي يسلب الألباب، ولكنه غير مفهوم للكثيرين، يجري على جبهة السياسة الخارجية. فقد تم إسنادها إلى عضو مجلس الشيوخ السيدة هيلاري كلينتون، منافسة أوباما الرئيسية في السباق على الترشيح لمنصب الرئاسة عن الحزب الديمقراطي.
وهنا يجدر التذكير ببعض الميزات الوظيفية في البيت الأبيض. فإن وزير الخارجية في الولايات المتحدة هو «وجه» الدبلوماسية الأميركية، ولكنه ليس القوة الأعلى في السياسة الخارجية. فمنذ عهد هنري كيسنجر يشرف مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي على أعمال وزير الخارجية. ويقوم هذا المستشار الذي استحدث كيسنجر منصبه، بتنسيق كافة خطوات وزارة الخارجية والبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية وغيرها مما يرتبط ولو بقدر ضئيل بالسياسة الخارجية.
ومن المتوقع أن يسند هذا المنصب إلى الجنرال المتقاعد جيمس جونس (64 عاما)، القائد الأعلى السابق لقوات الناتو في أوروبا. ويتميز جونس بمزاج قيادي عسكري، و«وجهات نظر واسعة» بشأن السياسة الخارجية، مما دفع وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لعرض منصب نائبها عليه مرتين في عام 2006، وقبل سنة حاولت إقناعه بأن يكون مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى الشرق الأوسط..
وأخيرا هناك جوزيف بايدن، نائب الرئيس، خبير آخر في السياسة الخارجية، إذ كان، بالمناسبة، الرئيس الاسمي لهيلاري كلينتون، لأنه كان يترأس لجنة السياسة الخارجية في مجلس الشيوخ التي تعتبر كلينتون أحد أعضائها. فقد ابلغ بايدن الرئيس الجديد أنه لا ينوي الاقتصار على تمثيل البلد في مراسم العزاء وحفلات الزواج (وظيفة نائب الرئيس استحدثت لهذا الغرض بالذات)، وإنما يود القيام بدور قيادي نشط في تحديد نهج السياسة الخارجية.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني