قضية الاحتباس الحراري، تحكمها مفارقة صارخة. بقدر ما تتفاقم حالتها ويضيق فيها الهامش الزمني للاستدراك؛ بقدر ما يزداد الفتور والتراجع، في مواجهتها. اقتراب موعد الاستحقاق لصيغة اتفاقية مناخية دولية، جديدة؛ لم يكن كافياً لتحفيز الاهتمام بهذا الشأن الحيوي. بل المصيري.
تحذيرات العلماء المتتالية، من أن السخونة تزحف حثيثاً نحو الخطوط الحمر؛ وأن بلوغها هذه النقطة، يجعلها عصية على المعالجة؛ كذلك لم يكن لها فعلها في تحريك الدول وصنّاع القرار بالاتجاه المطلوب. والغريب أن سيف هذا الخطر مسلّط فوق رؤوس الجميع. لا أحد، يملك حصانة ضدّه. ومع ذلك يبدو التهرّب من كلفة التصدّي، هو السمة الغالبة على المواقف والسياسات؛ المتعلقة بهذا الملف.
تكرر هذا المشهد، على حدّ بعيد، خلال الأيام الأخيرة؛ في اجتماعي بوزنن وبروكسل. في بوزنن، بولندا، عقد مؤتمر شارك فيه حشد دولي واسع؛ لم يتحقق تقدّم شامل وملزم، في إطار الأمم المتحدة. بعض الدول النامية أعلنت عن خطوات، تزمع اتخاذها بصورة طوعية. ما تعهدت به يفوق بأضعاف ما ألمحت بلدان كبرى، مثل الولايات المتحدة، بإمكانية اتخاذه.
هذا المؤتمر انعقد كتحضير لمؤتمر كوبنهاغن، مثل هذه الأيام من العام المقبل. المفترض أن يكون الفرصة الأخيرة للتوصّل إلى اتفاق دولي، جاهز للحلول مكان اتفاقية «كيوتو» التي ينتهي مفعولها مع نهاية عام 2012. لكن ذلك لم يتحقق. مثل العادة، بقيت العقدة هي نفسها. محورها الأغنياء الكبار. بلدانهم مصدر القسم الأكبر من الغازات المؤذية. وبالذات أميركا، المسؤولة لوحدها عن تصدير ما يقارب ربع هذه السموم المناخية. ومع ذلك هي تتلكأ وتتحايل، حتى لا تتحمل نصيبها النسبي من خفض هذه الصادرات؛ التي تهدّد بتغييرات مدمرة فوق سطح كوكبنا. الذريعة، الكلفة.
تزعم أميركا أن الخلاص منها يتطلب استخدام تكنولوجيا مكلفة لتنقية ما تنفثه آلتها الصناعية، من ثاني أوكسيد الكربون. أيضاً هي تشترط على الدول الصاعدة، تقديم تنازلات كبيرة، ترى هذه الأخيرة أنه من الجائر مطالبتها بها؛ وهي في مرحلة نهوض، سبق للبلدان الغنية أن مرّت بها من دون مثل هذه الكلفة. حتى البلدان الأوروبية، التي كانت سبّاقة في الدعوة إلى تخفيض الكربون، عادت أمس في بروكسل وتراجعت بعض الشيء، لأسباب اقتصادية.
خلافاً لما سبق وخططت له، سمحت من جديد لشركات الكهرباء في بلدان أوروبا الشرقية، الاستمرار في استخدام المحروقات الأحفورية من دون إلزامها بالثمن البيئي. ما هو على المحك أبعد وأهم من الاقتصاد. ذريعة الكلفة، قناع وهرطقة. هي مسألة سياسة ويلزمها قرار من هذا النوع. وقبل أن تأكل الطبيعة أبناءها.
