أذكر أننا كنا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين نشاهد بعض أفلام المافيا، وأفلام الأشقياء الذين يحتجزون رهائن ويطلبون افتداءهم بمبلغ ( عشرة آلاف دولار ) ، وكنا نعجب من ضخامة المبلغ الذي كان يومذاك ذا قيمة عالية؛ ولكنه مع تطور الحياة والتبدلات المالية، انهار ، وصار من المخجل أن تطالب هذه العصابات بمثل هذا المبلغ التافه الذي يحط من قدرها لهوانه الذي ينعكس على مكانتها الرفيعة .

ولذلك ارتفع المبلغ إلى مئات الألوف، ولهوان هذا المبلغ أيضا إزاء النمو الاقتصادي وارتفاع القدرة الشرائية، ارتفع إلى المليون، ثم إلى عدة ملايين لفكاك رقبة المحتجزين والرهائن، وستر ضعف الجهات المعنية في مواجهة مثل هذه المواقف الابتزازية، أو لعدم خبرتها في معالجتها .

وإذا كنا عجبنا من دناءة مختطفي الباخرة السعودية الذين فرضوا خمسة وعشرين مليونا لقاء تحرير الباخرة . جاءنا مطلب إيران لتعويضات الحرب مع العراق بمبلغ 600 مليون دولار .

هذه كلها وقائع من أيامنا، لك أن تتقصّى أمثالها مع المرتزقة والعصابات في أنحاء الأرض . أما أن تُقيم الدعوى سيدة من أهلنا، فتطالب خصمها في قضية ( سب وتشويه ) ، أو ما شاكل؛ بمبلغ خمسمائة مليون دولار؛ فيا بلاش !! ما عسى أن يكون هذا التشويه الذي يقتضي نصف مليار من الدولارات تعويضا له !

ما هي الصورة الفريدة الفاتنة المهيبة التي استحقّت هذا التعويض ! في حين ابتلعت الحرب العراقية الإيرانية ملايين الجنود، وعوّقت الألوف من الشباب، وسحقت آلاف العائلات وحصدت سبعة وعشرين مليون من النخيل والأشجار الوارفة، وهدمت الألوف من مرافق الحياة، وعادت بالبلدين إلى الوراء كل ذلك لقاء 600 مليون بس !!

واضح أنه لم تعد للأصفار أية قيمة، سواء أكانت من اليمين أم من اليسار . ضع رقما وإلى يمينه ما شئت من الأصفار، مثلما فعلت تلك السيدة، وطالب؛ فلعل الحظ يسعفك بمحكمة تجد في قوانينها ثغرة تعبر منها إلى نادي الأثرياء . ( بالمناسبة؛ رفضت المحكمة دعوى تلك السيدة ) .

الصفر الذي نعتز بكونه من مآثرنا الرياضية، صار لعبة بأيدي الهواة والشطار، ولم تعد له تلك المكانة والمهابة، والقدرة على تغيير المقادير، مثلما كان له . هذا على جهة الأفراد؛ أما على جهة الدول فأخذت مسارا آخر؛ تعويضات عن فترة الاستعمار، تعويضات عن خسائر الحروب وضحاياها، تعويضات عن ديون مستحقة وغير مدفوعة، وربما تعويضات عن أغذية وأسلحة فاسدة، أو تعويضات على الصمت إزاء الكوارث؛ أو تعويضات على حماقات لا يد للناس فيها، ولا راد لمسببها، ومع ذلك فهي كما قال الشاعر :

لم أكن من دعاتها، علم الله، وإني بحرّها اليوم صالي

لم يعد للتعويضات الحقيقية والمستحقات الواقعية، غير قيمة افتراضية غالبا ما لا يسندها المنطق، ولا يمكن تنفيذها على الحقيقة . وإذا نُفّذت فستبقى قيمتها افتراضية تكتسحها شؤون الحياة .

عائلة موسوليني، والبعثيون العراقيون يطالبون أيضا بالتعويضات؛ وهنا يتطلب الأمر مزيدا من الأصفار !

وكانت العزيزة ليبيا السباقة إلى التعامل مع التعويضات، فأعطت تعويضات إلى ضحايا لوكربي، وتلقّت تعويضات من إيطاليا عن فترة استعمارها ليبيا . وعلينا، نحن العراقيين، أن نستعد ونملأ جيوبنا بالأصفار لمواجهة أميركا، وإلزامها بتعويضات (تكسر الظهر ) على حربها الرعناء الظالمة .

ولا أحسب أن الأمر سيقتضي الكثير من المفاوضات والوساطات، والأخذ والرد، ما دام الرئيس المغادر جورج بوش قد اعترف، في الثاني من هذا الشهر بكونه أخطأ في شن الحرب على العراق بسبب حساباته الاستخبارية الخاطئة، وسوء تقديره لما ستؤول إليه الحرب .

mohammed_saggar@yahoo.fr