لم نكن يوماً من الذين يتوهمون أن الولايات المتحدة الأميركية يمكن في ظل الظروف الحالية أن تتخذ موقفاً ضد إسرائيل أو ترغمها على الانصياع للشرعية الدولية ولم نكن من الذين يتصورون أن أي إدارة أميركية يمكن أن تتغلب على ثوابت السياسة الأميركية تجاه المنطقة وهي الدعم الكامل لإسرائيل وضمان تفوقها، وتأمين المصالح الأميركية وأهمها إمدادات البترول بالسعر المناسب لأميركا وحلفائها.

وكل القضايا الأخرى هي تفاصيل في خدمة هذين الهدفين الكبيرين. واختلاف الإدارات الأميركية كان يعني اختلاف طرق التعامل مع ملفات المنطقة ولكن مع ثبات الأهداف النهائية.. ومع ذلك يبقي الأمر مختلفاً هذه المرة .

فأوباما يأتي بعد ثماني سنوات من حكم اليمين الصهيوني الأميركي بقيادة بوش ، وبعد حربين في العراق وأفغانستان ، وفي ظل اشتباك على الأرض راح ضحيته آلاف الجنود الأميركيين ومئات الألوف من العرب والمسلمين، ومع أوضاع تهدد بحرب جديدة ضد إيران بكل انعكاساتها على المنطقة وعلى العالم.

في ظل هذه الأوضاع يبدو طبيعياً أن يشعر الكثيرون بخيبة الأمل من تعيينات أوباما للمناصب الرئيسية وخاصة مع اختيار هيلاري كلينتون بكل انحيازها لإسرائيل وزيرة للخارجية، بعد اختيار رئيس لموظفي البيت الأبيض يحمل الجنسية الإسرائيلية.

ومع بقاء وزير الدفاع الجمهوري جيتس في موقعه ، ثم فتح أوباما لباب التراجع عن وعده بسحب الجيش الأميركي من العراق خلال 16 شهراً ، بتأكيده على أن الموعد النهائي للانسحاب من هناك « يعتمد على كل من أمن القوات الأميركية والعراقيين » وبالطبع فمن الطبيعي أن ينزعج فريق كبير من أنصار أوباما داخل الولايات المتحدة الأميركية من ذلك .

وأن يعتبروا اختيارات الرئيس الأميركي المنتخب للمناصب الرئيسية متناقضة مع شعار « التغيير » الذي حمله للبيت الأبيض ، وأن يعبروا عن تحفظاتهم على اعتماد أوباما على «الحرس القديم» الذي عمل مع الرئيس الأسبق كلينتون بدلاً من الاعتماد على جيل جديد يجسد رؤية جديدة لأميركا والعالم.

ومن الطبيعي أن يكون الرد هو أن الخبرة مطلوبة في هذه الظروف التي تتعرض فيها أميركا لزلزال الانهيار المالي والأزمة الاقتصادية مع الاشتباك في حربين خارجيتين ، وأن التركة الثقيلة التي أورثها بوش لأوباما لا تترك مجالاً إلا حشد كل الخبرات المتراكمة لإنقاذ الوضع.

الوضع بالنسبة لنا يختلف.. فلم يكن مطروحا من البداية لكل من يدرك حقيقة الأوضاع الأميركية والتوازنات الحاكمة فيها ، أن يكون انتخاب أوباما هو انقلاب شامل على سياسة بلاده في المنطقة ، لكن الأمر كان يعني الأمل في تغيير موضوعي ينطلق من عوامل أساسية أهمها :

؟

إن فوز أوباما يعني أننا أمام إدارة أميركية تؤمن بالحلول السياسية بديلاً للهوس بالقوة الذي حكم إدارة الرئيس بوش التي وضعت العالم كله ساحة لحرب مفتوحة ضد « الإرهاب » ، وتركت لنفسها الحق في شن الحروب الاستباقية حتى لو اعتمدت فيها على تقارير كاذبة ومضللة كما حدث في العراق.

* إن فوز أوباما كان يعني ؟ حتى قبل الانهيار المالي ؟ التخلي عن نزعة الانفراد بالهيمنة على العالم ، والعودة لمبدأ المشاركة مع القوى الكبرى والتعاون معها في التصدي للتحديات العالمية ، والتخلي عن حلم بناء الإمبراطورية الأميركية.

* إن فوز أوباما ؟ بالنسبة لنا ؟ كان يعني العودة للبراجماتية التي حكمت السياسة الأميركية طويلا قبل أن تسيطر عليها أيدلوجية المحافظين الجدد التي كانت ترى ؟ حتى قبل أحداث 11 سبتمبر ؟ ان العرب والمسلمين هم العدو الأساس لحضارة الغرب. والتي كانت قد قررت تدمير العراق من قبل أن يتولى بوش الرئاسة.

* إن فوز أوباما وهزيمة المحافظين الجدد ، يعني الرهان على عودة القوة الأعظم لتبني سياسة جديدة في المنطقة ، تستهدف بالطبع تحقيق المصلحة الأميركية ، ولكنها تدرك أن هذه المصلحة لا تتطابق مع المصالح الإسرائيلية في كل شيء .

وإنها يمكن أن تتلاقى مع مصالح أطراف عديدة دولية وإقليمية بما فيها المصالح العربية في استقرار المنطقة الذي لا يمكن أن يتحقق ؟ باعتراف إدارة بوش نفسها ؟ إلا بتسوية للقضية الفلسطينية ، وبإنهاء هوس القوة الذي سيطر على البيت الأبيض في سنوات بوش السوداء.

* في ظل توازنات القوى داخل الولايات المتحدة ، وفي ظل غياب التأثير العربي وفي ظل حالة العجز والتشرذم التي يمر بها عالمنا العربي ، فإن القرار الأميركي سيظل منحازاً لإسرائيل.

ولكن هناك فرقاً بين الانحياز العاقل ـ إذا صح التعبير ـ الذي يضع لحركته حدوداً، والانحياز المهووس الذي اعتمدته إدارة بوش. هناك فرق بين انحياز تحكمه عوامل السياسة مهما كانت خاطئة ، وانحياز يتم باعتباره مهمة مقدسة وتكليفاً إلهيا كما كان الحال مع بوش وإدارته.

أما « التغيير الحقيقي» في السياسة الأميركية الذي ينهي انحيازها ضد العرب فلا يصنعه إلا العرب أنفسهم حين يخرجون من حالة العجز ويملكون القوة التي تجعل «الآخرين» يأخذونهم على مأخذ الجد. وإلى أن يتحقق ذلك لا تأملوا- غفر الله لكم ولنا - بأكثر من انحياز عاقل بديلاً لانحياز مهووس !

elsadattt@hotmail.com