في الحروب الغبية التي تخترعها القوى العظمى، لا تتمكن من السيطرة على البلد المحتل، وقد كانت فيتنام والجزائر وأفغانستان نموذجاً لطرد تلك القوى، ومع ذلك لم تستفد دول حلف الأطلسي من تلك الانتكاسات لأميركا، والاتحاد السوفياتي، حتى إن فريق الرئيس بوش الثلاثي، أي الرئيس ونائبه ووزير الدفاع كانوا يعلنون أن أميركا قادرة على شن ثلاث حروب في آن واحد .
غير أن العراق وأفغانستان بقيتا غصة الحلق الكبيرة، وآخر ما يقال عن أفغانستان التقرير الذي نشرته مجلة التايم الأميركية، من أن الحرب القائمة لم تعد مطاردة القاعدة، وطالبان، لأن من يقاومون حلفاء قبائل ودين وبينهما تجارة الأفيون التي تعد الداعم الأساسي لتلك الحرب، وفق رؤية المجلة.
والغرابة ليست بالتطورات التي ولّدتها الحرب وإنما بالكيفية التي تُقرأ بها الأحداث، أي كيف يفوت على القوة العظمى وحلفائها طبيعة التركيبة السكانية الأفغانية، والتي ظلت قطاعات منها في مراحل تاريخية خاضعة لحكومات محلية، أقوى من المركز، وإلى أي حد لم تفهم كيف غرق السوفيات في هذا المستنقع وقبلهم معظم الغزاة، إلى أن نصل للإسكندر الأكبر، والذين هزمتهم طبيعة البلد الجغرافية والسكانية؟
عشوائية القوة قد تدمر وتحتل، وتصل إلى غاياتها الأولية من خلال كثافة النيران، غير أن النهايات تكسر البدايات وهو ما يحدث الآن في أفغانستان التي بدأت دول التحالف تنظر للمسألة من زوايا التورط الذي قد لا يتجه إلى نجاح كامل..
الغريب هو تشابُه الوضع الأفغاني، مع الحالة الصومالية عندما أهملتا من قِبل كل القوى، وتصاعدت أعمال العنف فيهما وصارت سلطة التيار الإسلامي المتطرف وحدها القادرة على الحكم أو ديمومة المقاومة، وقد تورطت أثيوبيا في المستنقع الصومالي وتورط العالم معها بوجود القراصنة الذين يهددون الملاحة الدولية، وهؤلاء لا ينتمون لمذهب وقبيلة وأرومة ما، وإنما عصابات دخلت معهم المافيا العالمية حتى إن تشكيل قوة أممية لحراسة الشواطئ والبحر لتجري السفن في أفلاكها، لم يعد أمراً سهلاً، لأن نتائج الداخل وبؤس الواقع افترضا نشوء هذه الأوضاع، ولو قُدر لأفغانستان أن تكون لها منافذ بحرية كبرى لتشكَّل فريق مواز قد يكون أكثر عنفاً وتنظيماً في القرصنة.
البقاء في أفغانستان مشكلة، والهروب منها ورطة أكبر، لأن تدويل الإرهاب واحتمال أن تكون أفغانستان مركزه، ومنطلقاته، لا يحتاج فقط إلى دعم القوات القائمة، وإنما، كما أشرنا مراراً، بناء الداخل حتى يشعر بالأمان كل مواطن يمتلك منزلاً ووظيفة، وأسرة مستقرة، أما أن تُترك الأمور بحالتها الراهنة، فالاحتمالات ترشح أن المستقبل القريب سيتعقد إن لم يصعب حله بقوانين العسكرة والقتل المتعمد والخاطئ باسم مكافحة الإرهاب..
كذلك الصومال التي باتت الموقع الآخر لجذب مختلف العناصر التي قد تتحالف بأي مسمى لترفع شعارات جاذبة، سواء بالمداخيل من القرصنة، أو الدين، أو حلف الفقراء، والإشارات تنذر بذلك، فهل من حكماء يحلّون هذه المصائب؟!
