على ما يبدو أن انتخاب الشعب الأميركي للرئيس الجديد أوباما لعبت فيه السياسة الخارجية دورا كبيرا، إذ احتلت الحروب التي شنتها إدارة بوش حيزا كبيرا في حملات الدعاية الانتخابية على مدى الشهور الماضية، وربما يكون اختيار أوباما هو خيار للشعب الأميركي بالتوقف عن الحروب والعمل من أجل استعادة أميركا سمعتها وقوتها الاقتصادية.

ولكن على ما يبدو أن الأمر غير ذلك. فبرغم استلام إدارة جديدة للسلطة في الولايات المتحدة على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية والنزاعات المستمرة في عدد من «النقاط الساخنة»، فإن هذا يدفعنا إلى البحث عن رد على السؤالين التاليين: ما هي النزاعات التي ستتوقف في عهد أوباما، وما هي النزاعات التي قد تتأجج؟ وما مدى تغير الوضع الدولي بشكل عام؟

وبغية فهم كيفية تغير سياسة الولايات المتحدة العسكرية، من الضروري معرفة من سينفذ تلك السياسة. إن احتفاظ روبرت غيتس بمنصب وزير الدفاع، وتعيين جيمس جونس بمنصب مستشار الأمن القومي يتيحان التأكيد بشكل قاطع أن الولايات المتحدة لن تنسحب من كافة المناطق، ولن تكف عن العمليات الحربية. هذا لاسيما وأن الوضع في عدد من البلدان والأقاليم سيتغير.

وكان تأكيد أوباما على سحب القوات الأميركية من العراق أحد الوعود الرئيسية في حملته الانتخابية. ويجري الحديث في الوقت الحاضر عن سحب القوات من العراق خلال 16 شهرا. وذكر أوباما أنه تحدث منذ البداية عن ضرورة سحب القوات الأميركية الأساسية الضاربة من العراق دون أن يستبعد بقاء قوات مساعدة لتدريب الجيش العراقي ولحماية المدنيين في العراق.

وذكر أنه سيتشاور مع البنتاغون وقادة الجيش الأميركي في العراق حول الخطوات المقبلة بشأن سحب القوات الأميركية، واصفا الاتفاقية التي أقرتها حكومة العراق وبرلمانه حول وضع القوات الأميركية في هذه البلاد «بالتحرك في الاتجاه الصحيح».

وقال أوباما:«سأستمع إلى توصيات قادة القوات الأميركية في العراق». ولا يجدر توقع أن النزاع في هذا البلد سينتهي عند هذا الحد لأن عدم وجود قوة سياسية عسكرية مهيمنة في العراق لا يتيح لأي من أطراف الحرب الأهلية فرض سيطرته بسرعة على كل البلاد، وبالتالي فإن أمد الحرب الأهلية في العراق سيطول.

أما بالنسبة لنزاع أفغانستان فتتوفر كل الفرص لتأججه أكثر. وقد أعلن أوباما نفسه أن «مكافحة الإرهاب في أفغانستان تبقى تشكل إحدى المهمات التي تحظى بالأولوية لدى واشنطن». وقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن نية زيادة قوتها العسكرية في أفغانستان إلى أكثر من 50 ألف فرد. وبتوغلها أعمق في نزاع أفغانستان، تجازف الولايات المتحدة بالتعرض لخطر الغوص فيه، كما غاص الاتحاد السوفييتي وقتها.

أما إيران فستبقى أغلب الظن، ضمن قائمة الأهداف التي تحظى بالأولوية، ومع ذلك من المستبعد أن تقدم الولايات المتحدة في الظروف الراهنة على شن حرب جديدة في المنطقة. ويجدر توقع، أن الضغط على إيران سيجري على الأرجح من الداخل، عن طريق دعم القوى المعارضة للنظام الحالي.

هذا ويبقى فضاء الاتحاد السوفييتي السابق وخاصة المنطقة المتاخمة للبحر الأسود يحظى باهتمام الولايات المتحدة بشكل ملموس. وستسعى الولايات المتحدة لتحقيق منح أوكرانيا وجورجيا عضوية الناتو بكافة السبل، إلا أن هذا الموقف في أوروبا، لا يحظى بالتأييد المطلق إلا من قبل بولندا وبلدان البلطيق، في حين أن أعضاء الحلف التقليديين إما يعارضون هذه الخطوة بشكل قاطع، وإما يجدون أن الوقت مازال مبكراً للقيام بها.

ومن المستبعد توقع حصول أوكرانيا وجورجيا على عضوية الناتو في المستقبل القريب، ولكن احتمال نشوء نزاع روسي جورجي جديد يبقى قائما. ومن المستبعد توقع نشوء حروب سافرة في مناطق العالم الأخرى، إذ تتميز حكومات الديمقراطيين في العقود الأخيرة في الغالب، بالرهان على «زعزعة الخصوم المحتملين من الداخل» من خلال التعاون مع القوى الموالية للولايات المتحدة في البلدان المعنية ودعهما.

وعلى الأرجح، ستحاول الولايات المتحدة على سبيل المثال، حل قضية فنزويلا بهذا الأسلوب، عن طريق دعم القوى المعارضة لهوغو تشافيز، وضخ الأموال لها، متجنبة في نفس الوقت التدخل المباشر في هذا البلد.

vladi1949@mail.ru