أثناء تشييع الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد إلى مثواه الأخير في الثاني من يناير قبل عامين تقريباً، فكرت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية في عهد كلينتون السيدة مادلين أولبرايت أن تصدر كتاباً يكون على شكل وصايا للرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، فكان هذا العمل الذي أطلقت عليه «مذكرة إلي الرئيس المنتخب».

ومن عنوانه الفرعي الذي جاء على شكل سؤال أو بالأحرى تساؤل وهو: «كيف يمكننا استعادة سمعة أميركا ودورها القيادي؟» ليظهر لنا هدف الكتاب بشكل جلي، انطلاقاً من أن خراباً قد حل في مكانة تلك الدولة بين شعوب وأمم العالم بالذات في السنوات الأخير التي تربع فيها جورج بوش الابن على مقاليد السلطة في البيت الأبيض!! وأيضاً انطلاقاً من إدراك ـ كما تقول ـ «أن حقنا في القيادة لم يعد مقبولاً. لقد فقدنا شرعيتنا الأخلاقية».!!

وكمواطنة أميركية ووزيرة سابقة فإن الذود عن مصالح بلادها تأتي على رأس أولوياتها، وهي ترى أن ثمة أربعة أخطار تهددها في الخمس عشرة سنة القادمة، وهي الإرهاب وتصاعد معاداة أميركا في العالمين العربي والإسلامي، ثم تراجع الإجماع الدولي بشأن الانتشار النووي، فتنامي الشكوك بشأن قيمة الديمقراطية.

وأخيراً تزايد رفض العولمة بسبب اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء!! وأغلب الظن أن مادلين أولبرايت كانت ستضيف الأزمة المالية التي تعصف بالولايات المتحدة الأميركية والعالم هذه الأيام، لو أنها وضعت كتابها هذا بعد حدوثها!!

والغريب أن أولبرايت رغم اعتبارها التشكك في قيمة الديمقراطية كنظام للحياة والحكم الذي تزعم إنه قد يتكاثر مريدوه في السنوات القادمة، يمثل تحدياً يواجه الولايات المتحدة، إلا إنها تصر على ألا تكون مهمتها تصدير هذا النظام وفرضه على الشعوب الأخرى!! وهي تقتبس قولاً أدلى به فورد قبل وفاته بسنتين بهذا المعنى، حيث ذكر أنه «لا أريد أن أفكر أن علينا أن نجوب العالم لنحرر الشعوب بالقوة ما لم يكن ذلك مرتبطاً بأمننا القومي بشكل مباشر».!!

وهي تبني على هذا الرأي لتعيد طرح السؤال الذي طرحه الأميركيون على أنفسهم قبل قرنين وهو: «هل على الولايات المتحدة الاكتفاء بأن تكون نموذجاً للآخرين، أم تسعى لفرض نموذجها عليهم؟؟ وأولبرايت في وصيتها للرئيس المقبل تريد لأميركا نموذجاً يحتذى بالإعجاب وليس بقوة الحراب!!

وهذا الرأي يقودها إلى وصية أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي أن لا يكون الرئيس القادم مدعياً أنه يحمل رسالة إلهية يريد تحقيقها، كما فعل بوش الابن - على حد قولها ؟ حينما حاجج بأن أميركا قد تلقت نداء من السماء يدعوها لتخليص العالم من الشر»!! وتضرب مثلاً بفرانكلين روزفلت الذي نقش اسمه في التاريخ الأميركي والذي لم يشعر قط بحاجته إلى القول بأن له رسالة مقدسة يؤديها سوى شعوره بأنه منح فرصة ليفعل شيئاً حيال المشاكل التي كانت تكتنف بلده!!

وتبدو مادلين أولبرايت متشائمة أو واقعية «أكثر من اللازم» حول ما يمكن أن يحققه رئيس الولايات المتحدة القادم حينما سطرت كتابها قبل أشهر من مجئ باراك أوباما فيما يتعلق بمشاكل الشرق الأوسط.

فهي وإن كانت مع مواصلة المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، إلا إنها لا تعتقد بأن لدى الفلسطينيين قيادة كاريزمية قادرة على إبرام اتفاق تاريخي مع إسرائيل، مقنع للشعب الفلسطيني، فـ «الرئيس محمود عباس - تكتب أولبرايت ؟ من دعاة التسوية الشجعان، لكنه يفتقر إلي سحر عرفات السياسي»!! إن وصيتها للرئيس القادم هو أن لا حل في الشرق الأوسط دون «تعديل الأحلام» !!

أما العراق بنظرها فلا بد أن يبقى موحداً بالرغم من أن الجميع يدرك بأنه بات مقسماً فعلياً، فغزو بوش له قد «فاقم التوتر بين السنة والشيعة، وزاد من نفوذ إيران، وأوصل تركيا إلى شفير نزاع مع الأكراد العراقيين، ومنح القاعدة حياة جديدة» وأفظع الكوابيس التي قد تواجه الرئيس المقبل هو أن تقع المنطقة الغربية تحت تأثير القاعدة ثانية.

أو تخضع الحكومات العراقية القادمة إلى التأثير الإيراني «فتتقاسم معها المعلومات الاستخباراتية مما يهدد أمن إسرائيل - تقول أولبرايت ؟ أو أن يصبح العراق متصدعاً لدرجة تثير حرباً إقليمية في المنطقة!!

وستبقى قضية إيران ومحاولاتها الحصول على السلاح النووي ما ثلة أمام الرئيس القادم وهي توصي بألا تلجأ الإدارة الجديدة إلى خيار الحرب لعدم قدرتها على إثبات أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً وعدم تصديق العالم لإدعاءاتها في ذلك بسبب تجربتها بهذا الخصوص في العراق فضلاً عن التداعيات الإقليمية للحرب.

وتبقى القاعدة هي العدو الأول لأميركا وهي توصي بالتخلي عن سياسة بوش الابن القائلة: «إما أن تكونوا معنا أو ضدنا».!! إن المعركة مع القاعدة ـ كما تقترح أولبرايت ـ يجب ألا تكون على الجبهة العسكرية فقط، بل أن «حرب الأفكار» لا تقل أهمية عن استخدام السلاح.

وهي تبلغ الرئيس القادم رسالة هامة لا بد أن يلتزم بها لكي لا يخسر الكثيرين وهي التفريق بين فكر القاعدة كتنظيم سياسي والعقيدة الإسلامية التي يؤمن بها الملايين. «ليس عدونا الإرهابي الإسلامي، عليك التأكيد على ذلك في كل فرص؟ تكتب أولبرايت موصية ؟ لأن الإرهاب ليس ملازماً للإسلام، عدونا هو عدو الإسلام أيضاً».

alyusefi@hotmail.com