قرارات اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسى، لم تكن مفاجئة، وإنما عبرت عن إدراك هذه الدول لمصالحها، وأهمية الحفاظ على تعاونها مع روسيا. وقد أكد الأمين العام للحلف ياب دي هوب شيفير أن الناتو لا ينوي طرح شروط لاستئناف التعاون مع روسيا الذي قطعه الحلف بسبب النزاع في جورجيا، وانه سيجري مشاورات سياسية غير رسمية مع الجانب الروسي بهدف تقييم إمكانية استئناف عمل مجلس روسيا - الناتو رسميا.

وقد جاء في البيان الذي أصدره وزراء خارجية الدول ال26 الأعضاء في الناتو في ختام لقائهم أن الحلف يعلن عن استعداده لدراسة توافق المنظومات الأميركية والروسية والتابعة له للدفاع المضاد للصواريخ، كما نص البيان على أن الناتو ينوي تعزيز التعاون مع روسيا في مجال الدفاع المضاد للصواريخ، مثمنا في الوقت ذاته مساهمة الولايات المتحدة في حماية أوروبا من أخطار الصواريخ البالستية عن طريق نشر عناصر من المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية.

الخطوة الإيجابية الثانية التي اتخذها الناتو كبادرة حسن نوايا لتفاهم مع روسيا، تمثلت في قراره بعدم إدراج أوكرانيا وجورجيا في جدول العمل لنيل عضوية الحلف. وقد أكد شيفير أنه لن يطرأ أي تغيير على صيغة جدول العمل لنيل العضوية بالنسبة للبلدين، وانه لابد وأن ينجز كل منهما عملا ملموسا للوصول إلى مواصفات الناتو.

وكان من المنطقي أن يعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن استعداد موسكو لاستئناف العلاقات مع الناتو، ولكن بشرط مراعاة المصالح بشكل متبادل. خاصة أن تجميد التعاون في إطار مجلس روسيا ـ الناتو لم يكن قرارا روسيا، وإنما جاء كعقاب لروسيا بعد الحرب في القوقاز ودخول القوات الروسية جورجيا في أغسطس الماضي، وأيضا إعلان موسكو استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية .

ويبدو واضحا أن قرار الناتو بشأن استئناف الحوار مع روسيا، وعدم تلبية طلب أوكرانيا وجورجيا بصدد درجهما في خطة العمل لنيل عضوية الحلف، كل هذا يدل على استعداد الناتو لتقديم تنازلات ملموسة لروسيا. ما يعنى أن مبادرة الحوار من جانب الناتو قد انطلقت بالفعل، باعتبار أن تعاون موسكو وبروكسل أمراً حيويا لكلا الطرفين .

ويمكن القول إن التغييرات القادمة في رؤية الناتو والولايات المتحدة، تجاه الخصم الرئيس في المرحلة القادمة، والتي ستجعل ملفات العراق وأفغانستان تتصدر أولويات الغرب، لابد وأن تؤدي لتنازلات جيوسياسية ستقدمها هذه الأطراف لروسيا. باعتبار أن كافة الخطط والعمليات قرب حدود روسيا، بدون علاقات طبيعية معها، لن تتكلل بالنجاح.

خاصة انه لا يمكن استبدال طريق النقل من أوروبا إلى أفغانستان عبر روسيا بطريق آخر. وتتنامي قناعة لدى العديد من السياسيين الروس بأن استئناف المفاوضات بين روسيا والاتحاد الأوروبي حول معاهدة الشراكة والتعاون، ومع بدء الحوار بين موسكو والناتو لابد وأن توفر الأجواء اللازمة لتحسن العلاقات الروسية الأميركية قريبا.

ويمكن القول بأن مشكلة توسع الناتو ليس لها أهمية كبيرة من الناحية الأمنية، كما تحاول بعض الأوساط تصويرها، فقد ضم الحلف منذ سنوات طويلة إلى عضويته دول البلطيق، واقترب بصورة مباشرة من الحدود الروسية، ولم يحدث ذلك تغيرات مؤثرة، كما أن النرويج وهي عضو الناتو تقع على الحدود الروسية منذ زمن بعيد ولم يثر ذلك قلق أي أحد على الإطلاق.

والمشكلة عموما مؤثرة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي وتوازناته الداخلية وقدراته، لأن توسع الحلف العشوائي لن يزيد من قوته. قبول بلدان مثل ألبانيا وكرواتيا ومساعيه لضم جورجيا وأوكرانيا يؤدي إلى أن يصبح الحلف أقل استقرارا وأكثر هلامية.

ويبدو أن قناعة دول أوروبا القديمة بذلك بدأت تؤثر على مواقف بقية الأعضاء، وتجعل قيادة الحلف تبحث عن علاقات مثمرة للحلف، تمكنها من تسوية القضايا الكبرى، ما يعني الاقتراب من روسيا، بدلا من الركض خلف دول تعاني من أزمات ومشاكل تؤثر سلبا على دور حلف شمال الأطلسي ونفوذه الدولي.

jannamarat@km. ru