الصين تهدد وتتوعّد فرنسا بحرمانها من المشاركة في الخطط الصينية الجديدة العملاقة للنهوض بالاقتصاد الصيني. السبب هو اللقاء الذي تمّ يوم السبت الماضي في مدينة غدانسك البولندية، بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والدالاي لاما الزعيم الروحي و«السياسي» للتبت.
اعتبر الصينيون أن لقاء الرئيس الفرنسي بزعيم التبت يمثّل «تدخّلا فاضحا في الشؤون الداخلية الصينية» و«مساسا بمصالح الصين وجرحا عميقا لمشاعر شعبها وإساءة كبيرة للعلاقات الصينية ـ الفرنسية وللعلاقات الصينية ـ ألأوروبية»، كما جاء على لسان نائب وزير الخارجية الصيني. الرئيس ساركوزي هو أيضا رئيس الاتحاد الأوروبي حتى نهاية العام الحالي.
جريدة «الشعب» اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، كانت صريحة عندما كتبت، دون أية دبلوماسية، أن الرئيس الفرنسي قد «تجاهل الطلبات المستمرّة للصين ـ بعدم اللقاء مع الدالاي لاما ـ ورفض التعبير عن موقفه بصراحة، وصمم على تجاوز الخط الأحمر مع الصين».
وشهدت مواقع الانترنت الصينية موجة من النداءات طيلة نهاية الأسبوع لمقاطعة السلع والمنتجات الفرنسية. موقع انترنيت الحكومة الصينية أشار يوم الاثنين الماضي إلى أن المفتشين الصينيين قد اكتشفوا وجود «مشاكل في نوعية وأمان» عدد من المنتجات المستوردة من أوروبا.
كان يمكن للأمور أن تتوقف عند حدود الاحتجاج الدبلوماسي المألوف لدى الصينيين، حيال لقاء أي زعيم أجنبي بالدالاي لاما الذي يعتبرونه «خطرا» على الوحدة الوطنية للبلاد، وداعية لانفصال التبت عن الوطن الأم. فهل نسي الصينيون حكمة الصبر والتأني التي ورثوها عن أجدادهم القدامى؟
ويكبر السؤال حول سرّ الغضب الصيني العارم هذه المرّة، عند معرفة أن زعماء الغرب من جورج دبليو بوش إلى أنجيلا ميركل ومرورا بغوردون براون، كانوا قد التقوا بالدالاي لاما؛ ويكبر أكثر أمام واقع أن الدبلوماسية الفرنسية بالتحديد تعترف أن التبت «جزء لا يتجزأ من التراب الوطني الصيني».
الفرنسيون لا يرون في اللقاء المعني أية خطوط حمراء، ويعتبرون أنه لم يكن سوى مجرّد الوفاء بالتزام كان قد قطعه الرئيس في وقت سابق، وليس لدى فرنسا أية نيّة للتدخل في شؤون الصين «العزيزة» التي تقيم معها علاقات تجارية كبيرة «استيرادا» و«تصديرا». بعض الأرقام لها دلالاتها بهذا الشأن.
تحتل الصين، حسب الإحصائيات الفرنسية، المرتبة التاسعة على صعيد المبادلات التجارية مع فرنسا، وكانت قد استوردت في العام الماضي ما قيمته 9 مليارات يورو من المنتجات الفرنسية، وباعت لفرنسا ما قيمته 7. 28 مليار يورو من المنتجات الصينية.
والصين أيضا هي صاحبة المرتبة 13 بين المستثمرين الأجانب في فرنسا. أمّا عدد الشركات الفرنسية بين صغيرة وكبيرة في الصين، فقد وصل إلى 1800 شركة يعمل فيها حوالي 250 ألف شخص. ورقم أخير أكثر حداثة في هذا السياق، يشير إلى أن فرنسا قد صدّرت في الفترة الواقعة بين مطلع يناير وشهر أغسطس من العام الحالي 2008 ما قيمته 39. 10 مليارات دولار واستوردت منتجات من الصين بقيمة 26. 21 مليار دولار.
للتذكير، كان الرئيس ساركوزي قد خصّ الصين بأول زيارة له إلى آسيا بعد ستة أشهر فقط من انتخابه. بالطبع كان اهتمامه الأول هو إبرام العقود، وهذا بالتحديد ما يهدد الصينيون اليوم بحرمانه منه، وما يرى فيه المعنيون من رجال الأعمال والصناعيين الفرنسيين كارثة بالنسبة لهم.
ذلك أن حرمان فرنسا من مشاريع خطة النهوض الصينية، يعني في الواقع حرمانها من المساهمة في ورشات البنيات التحتية الأساسية، وليس أقلّها كلفة بناء 120 ألف كيلو متر من سكك الحديد الجديدة. والكلفة الإجمالية لخطة النهوض المعنية تبلغ 460 مليار يورو.
وكانت الصين قد ترجمت غضبها إلى فعل، حيث ألغت «من جانبها» قبل أيام فقط من لقاء الرئيس الفرنسي وزعيم التبت قمّة الصين ـ الاتحاد الأوروبي التي كانت مقررة في مدينة ليون الفرنسية في الأول من ديسمبر الجاري.
وأُلغي في نفس الوقت لقاء 800 من رجال الأعمال الصينيين والأوروبيين، و«تأجّل» البحث في عقد كان على وشك التوقيع حول صفقة لشراء الصين لعدد هام من طائرات ايرباص الأوروبية. هذه المواقف الصينية الحازمة يمكن تقديم عدّة «قراءات» محتملة لها. فهل تريد الصين «اختبار» التضامن الأوروبي حيال سياساتها في التبت وغيرها؟
الغضب الصيني قابله انقسام واضح داخل الاتحاد الأوروبي الذي لم تعلن أغلبية دوله حتى الآن موقف التضامن المطلوب كحد أدنى منها، إذا تعرّضت إحداها لـ «تهديد خارجي». يبدو أن المصالح هي التي تحدد المواقف. في كل الحالات واقع الانقسام الأوروبي ليس جديدا، إذ ظهر في المواقف المتباينة للدول حيال الأزمة المالية العالمية.
وهل من المستبعد التفكير أن الصين تريد أن تلعب ورقة «عملتها» في السياق الذي خلقته هذه الأزمة المالية بالتحديد؟ للتذكير كان الرئيس ساركوزي قد دعا الصين أثناء زيارته لها لإقامة «توازن عادل بين العملات الكبرى»، مما عنى صراحة الإشارة للآثار السيئة لوجود عملة صينية «منخفضة القيمة» وما تسببه من ضرر على صعيد المبادلات التجارية الدولية.
ولعلّ الصين ترى أمامها اليوم فرصة لإعادة تقييم عملتها باتجاه تخفيض قيمتها، أو على الأقل المحافظة على قيمتها المنخفضة. فمن يستطيع الاعتراض فعليا على ذلك؟ اليابان لا تمثل، اقتصاديا وماليا، مشكلة بالنسبة للصين. والولايات المتحدة لا تملك القدرة فعليا على الاعتراض، فالصين تملك مئات مليارات الدولارات ويكفي أن تبيعها كي تدفع أميركا إلى الإفلاس.
أوروبا وحدها مع اليورو القوي قد تعترض، خاصة أن تخفيض العملة الصينية سيؤدي منطقيا إلى زيادة سعر اليورو في أسواق المال، مما يعني إعاقة الصادرات الأوروبية وخنق الاقتصاد الأوروبي. أم هل تريد الصين «معاقبة» فرنسا بسبب المظاهرات العدائية التي واجهت في الصيف الماضي مرور الشعلة الأولمبية في باريس باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وخاصة في التبت؟
الصينيون اعتبروا ذلك انتقاصا من سيادتهم، وهم يذكّرون الجميع «مرورا» اليوم أن سكوت الصين و«بلعها الإهانات» على خلفية ضعفها قد انتهى. ما هو أكيد أن غضب الصين حيال لقاء ساركوزي والدالاي لاما لم يكن سوى «حجّة» لتبليغ رسالة، بل عدّة رسائل في نفس الوقت، وستصل إلى المعنيين بها.