بعد أن أعلنت الحكومة الأثيوبية أنها ستسحب قواتها القتالية من الأراضي الصومالية في الأسبوع الأول من يناير المقبل، أصبح من المؤكد الآن أن قوات «اتحاد المحاكم الإسلامية» والتنظيمات الإسلامية الصومالية الأخرى، هي التي ستملأ الفراغ السلطوي باستكمال سيطرتها الكاملة على البلاد. ذلك أن الانسحاب العسكري الأثيوبي يعني تلقائياً انهيار «الحكومة المؤقتة» المعزولة التي أنشأتها الولايات المتحدة.

وهكذا تتبدد جهود 17 عاماً من التدخل الأميركي في الصومال ـ عسكرياً واستخباراتياً ـ دون أي جدوى. وسواء اعترفت واشنطن بالقوة السلطوية الإسلامية القادمة أو لم تعترف، فإن هذه القوة سوف تبقى دون منازع أو منافس.

والسؤال الذي يطرح هو: متى تستوعب الولايات المتحدة دروس التاريخ العديدة من خلال التجارب الفاشلة ذات التكلفة الباهظة التي خاضتها؟

لو اعترفت إدارة الرئيس دوايت إيزنهاور في منتصف خمسينات القرن الماضي بجبهة التحرير الفيتنامية التي كانت القوة الجماهيرية الأعظم في البلاد، لما اضطرت إلى التدخل العسكري الذي تحول بعد عقد زمني إلى إعلان حرب شاملة ضد فيتنام استمرت لمدى عشر سنوات.

وكانت النتيجة هزيمة أميركية مدوية اصطكت لها جدران التاريخ، بعد مقتل 85 ألف مقاتل أميركي، ثم أخيراً اضطرت واشنطن في عهد الرئيس ليندون جونسون إلى الاعتراف بجمهورية فيتنام الموحدة الماركسية.

على خط موازٍ ظلت الولايات المتحدة ترفض بعناد الاعتراف بجمهورية «الصين الشعبية» لمدى يقارب ربع قرن، معتبرة أن «الصين الوطنية» (تايوان) هي الممثل الحقيقي للشعب الصيني، وليس الصين الشعبية الشيوعية التي كان عدد سكانها ـ ولا يزال ـ أضعاف سكان تايوان. لكن في نهاية المطاف، اضطرت الولايات المتحدة إلى الاعتراف في عام 1972 بالصين الشعبية التي باتت اليوم أقوى منافس لأميركا في قيادة الاقتصاد العالمي.

خلال الأسبوع الجاري، طلبت دول الاتحاد الأوروبي من إدارة بوش أن تضع نهاية لمقاطعتها التجارية لكوبا الممتدة لنحو نصف قرن، كتمهيد لاعتراف أميركي بنظام كاسترو الاشتراكي الحاكم.

فبالرغم من مرور عشرات السنين، واعتراف دول العالم بكوبا كاسترو، فإن الولايات المتحدة لا تزال متمسكة بأسطورة أنه نظام لا يمثل شعبه. الآن، وبالانسحاب الوشيك للقوة الأثيوبية من الصومال، تواجه أميركا هزيمة سياسية جديدة، فهي التي رتبت أمر التدخل الأثيوبي وتوّلت تمويله.

opinion@albayan.ae