بذلت اسرائيل جهدا جهيدا خلال حقبة القطب الواحد الذي هيمنت فيه الولايات المتحدة على مراكز القرار في البلدان الغربية وايضا في كافة المنظمات الدولية ، حتى انه يمكن تسمية هذه الحقبة التي امتدت حوالي عقدين من الزمان بربيع اسرائيل حيث انتعشت فيه الأكاذيب الاسرائيلية وعملت عملها ضد كل القيم الاخلاقية والانسانية على نطاق واسع الى حد تحكم اللوبي الصهيوني في آلية شغل المناصب بحيث يحصل من يدعم الأكاذيب الاسرائيلية ويزينها للناس على كافة الميزات حتى بعد ان يترك المنصب، حيث غالبا ما يتم توظيفه في مناصب استشارية لشركات داعمة للحركة الصهيونية العالمية وتتفرغ له المنصات في المنتديات الدولية ليستمر في المسيرة الهدامة التي تنشأ عليها خلال عمله في المنظمات الدولية او الوطنية في بلاده.

والحقيقة انه لم يستثن من ذلك شخصية مهما كانت قيمتها، وقد شهدنا الى اي حد سعت اسرائيل وانصارها الى تشويه صورة الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر لانه اصدر كتابا بعد تركه منصب الرئاسة يوضح بعض معالم الخلل في الصورة النمطية للفلسطينيين والقضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي عموما بسبب التشويه المستمر من الجانب الاسرائيلي.

وبالأمس كنا امام شخصية اخرى سعت اسرائيل لتشويهها لانها قررت ان تنطق بالحق وإدانة جرائم اسرائيل ضد الانسانية في الاراضي الفلسطينية وقطاع غزة على وجه الخصوص. حيث طالب الخبير الأممي ومقرر الامم المتحدة الخاص بحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية ريتشارد فولك بإحالة اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع قادتها حول إرهاب الدولة الذي يمارسه هؤلاء القادة في الاراضي الفلسطينية تحت سمع وبصر العالم الذي استمرأ الخنوع وآثر السلامة وشاء ان يتجنب غضب انصار اسرائيل في الولايات المتحدة.

لكن مثل هؤلاء الرجال من امثال فولك تكون صحوة الضمير لديهم اكبر من قدرتهم على الصمت، فالعقاب الجماعي الذي تمارسه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية اصبح فضيحة دولية يندى لها الجبين وذلك فضلا عن كونه انتهاكا للقانون الدولي ومقررات معاهدة جنيف الرابعة وكافة المواثيق التي تحمي المدنيين اثناء الصراعات الدولية والحروب.

وما كان رد اسرائيل على موقف ريتشارد فولك سوى بمثابة إدانة جديدة للغطرسة الاسرائيلية وللخنوع المشين من جانب المنظمات الدولية التي لا تنهض للدفاع عن مواقف منتسبيها الشرفاء امثال ريتشارد فولك ، والذي لم يكن الأول ولن يكون الاخر في سلسلة المناهضين للغوغائية الاسرائيلية والاميركية، فواشنطن منعت بالأمس القريب قرار إدانة لاسرائيل في مجلس الامن يضاف الى مئات المرات التي عززت فيها واشنطن العنجهية الاسرائيلية.

والحقيقة انه ليس فولك هو الذي فقد ثقة المنظمات الدولية كما قال متحدث الخارجية الاسرائيلية امس وانما المنظمات الدولية نفسها هي التي فقدت مصداقيتها بإذعانها لاسرائيل وداعميها، وسيظل صمود الشعب الفلسطيني وبخاصة في قطاع غزة يعمل عمل الآلة الجبارة التي تهدم الغطرسة والغرور والخنوع الدولي مع انهيار عالم القطب الواحد بكل سيئاته وغوغائياته السياسية ولابد ان تعتدل المعايير وإعطاء المدافعين عن الحقيقة امثال فولك ما يستحقون من تقدير، واما اسرائيل فينطبق عليها المثل القائل: يكاد المريب يقول خذوني.