كل الذين سافروا خارج الإمارات منذ بدء الأزمة المالية العالمية اتفقوا على أن الأزمة حملت معها آثارا ايجابية استفاد منها الأفراد، أهمها انخفاض أسعار السلع، وتراجع مستوى غلاء المعيشة الذي عصف بهم خلال الثلاث سنوات الأخيرة خاصة عندما يتحدثون عن أسعار مواد غذائية، بترول، إيجارات وغيرها من الأمور التي كنا نتوقع انخفاض أسعارها في الإمارات.
لكن الواقع الذي يعيشه الأفراد وتعاني منه الأسر في الإمارات يؤكد أن الأسعار بقيت على ما هي عليه مرتفعة، ومستوى غلاء المعيشة لم يتراجع رغم المعطيات التي تبرر حدوث تغير كبير في الأسعار لا يمكن أن تستثنى منه الإمارات التي تعتبر جزءاً من القرية الكونية، ولم تنكر تأثرها بالأزمة المالية العالمية.
وزارة الاقتصاد في الإمارات بادرت في الأشهر التي سبقت الأزمة بخطوات ايجابية ساهمت إلى حد كبير في ضبط أسعار مختلف السلع، وقد خففت مبادراتها الكثير من الأعباء التي كان يتحملها الأفراد في ظل ارتفاع الأسعار الجنوني. لكن دور وزارة الاقتصاد خلال مرحلة الأزمة المالية العالمية غاب ولم يبرز بالشكل الذي كنا نتوقعه.
والدليل على ذلك أوضاع الأسواق وبقاء الأسعار فيها على ارتفاعها دون انخفاض وتراجع، وكأن الوزارة قد تركت للتجار حرية التحكم في الأسواق والأسعار بمنطق مصالحها وان تعارض ذلك مع مصالح الأفراد.
وهو الدور الذي لا ننتظره مطلقا من وزارة الاقتصاد التي يصبح تدخلها في هذا الوقت مطلوبا وملحا. فالأزمة ان كانت خانقة لدول وشركات ومؤسسات تحاول قدر الإمكان مواجهة هذه الأزمة وتجاوزها فلنا ان نتخيل محدودية قدرة الأفراد على ذلك ما لم تتدخل الوزارات والمؤسسات الحكومية لتقديم الدعم ولو من خلال ضبط الأسواق.
الغلاء المستمر لاسيما في ظرف الأزمة المالية وشح السيولة سيؤثر سلبا على الوضع الإداري والأخلاقي والاقتصادي والصحي في البلد طالما أن كثيرا من الأفراد والأسر لم يعودوا قادرين على إيجاد مصادر دخل أخرى لهم، وغير قادرين على ضبط ميزانيتهم الشهرية وفق رواتبهم.
وهذه الآثار السلبية التي نتوقعها ليست حصرية على مجتمع الإمارات بل إنها متوقعة في أي مجتمع لا يشبع احتياجات أفراده فيستفحل الفساد فيه ويصبح أمرا عاديا، فتنعكس آثاره بالتالي على سمعة تلك الدول واقتصادها وأمنها واستقرارها.
فلماذا تصمت وزارة الاقتصاد حيال الغلاء الذي يستنزف الرواتب ويترك آثاره السلبية على مجتمع بأكمله؟ الم تكن عبارة «الغلاء عالمي» هي المبرر والمفسر لارتفاع الأسعار؟ فلماذا لا تصبح الأزمة المالية وشح السيولة وانخفاض الأسعار والضرائب في مختلف دول العالم مبررا اليوم لخفض تكاليف المعيشة لدينا في الإمارات؟
استمرار ارتفاع وغلاء المعيشة في الدولة سيخلف حالة استياء كبيرة لان الأزمة المالية العالمية مقلقة وخانقة. ووزارة الاقتصاد معنية اليوم وليس غدا بأن تتحمل دورها في ضبط الأسواق وفق معطيات الاقتصاد العالمي الذي تأثرت الإمارات به دون الاكتفاء بالتطمينات والحديث عن معدلات النمو في الدولة. فهل تخفف الوزارة من أزمة الغلاء؟ هذا ما نرجوه كحق مشروع للأفراد الذين تحملوا الغلاء العالمي وحان الوقت ليغنموا انخفاض الأسعار في وقت الأزمة العالمية!.
