عاشت الساحة السياسية الأميركية على مدى أكثر من سنة نشاطا سياسيا صاخبا كان محوره الانتخابات الرئاسية الأميركية والتي أنهت في الرابع من نوفمبر الماضي بفوز باراك أوباما بالمنصب الأعلى في أقوى وأعظم دولة في العالم.
والسؤال الذي يفرض نفسه علينا كعرب ومسلمين في هذا المقام هو أين العرب وأين المسلمين من الانتخابات الأميركية؟ وهل هناك عمل منهجي وموضوعي من قبل الجالية الإسلامية والعربية في أميركا لدخول معترك المنافسة السياسية ومقايضة أصواتها مقابل الحصول على التزامات لتحقيق أهداف الجالية العربية والمسلمة.
وهنا نلاحظ، مع الأسف الشديد ورغم وجود هذه الجالية على الأرض الأميركية مند أكثر من قرن من الزمن، نجد أن الجالية العربية والمسلمة ما زالت تعيش على هامش النشاط السياسي والحياة السياسية الأميركية وتكاد تكون مهمشة لا يُحسب لها أي حساب. وهنا يستحضرنا نشاط اللوبي اليهودي وتغلغله في الإدارة الأميركية ومراكز صناعة القرار في الكونغرس والبيت الأبيض.
تكاثرت الأسئلة والنقاشات منذ فوز أوباما بكرسي الرئاسة الأميركية عن دور الرئيس الجديد في العلاقات الأميركية العربية والصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.. الخ. وماذا سيفعله الرئيس الجديد، الأسود ذو الأصول الإفريقية للعرب والمسلمين؟ فهناك الكثير من الأسئلة عما يفعله أوباما للعرب؟
وقليل من الأسئلة عن ماهية استراتيجية العرب في التعامل مع أوباما بذكاء وحنكة لتحقيق مصالحهم وأهدافهم. والسؤال المحوري الذي يجب أن يُطرح في هذا المقام هو ماذا قدم العرب لفوز أوباما بكرسي الرئاسة؟
وماذا سيفعل العرب ككيان موحد للتأثير في أروقة صناعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لتحقيق مصالحهم؟ وما نلاحظه مع كل أسف هو أن السنوات تمر والرؤساء يأتون ويذهبون والأمور على حالها: بكاء العرب على الأطلال ونفوذ اللوبي الصهيوني في دهاليز السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط والتأثير على صناعتها بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني.
يعيش في أميركا ستة ملايين يهودي، أغلبيتهم تدعم الدولة العبرية وتشعر بالارتباط الروحي والمعنوي والقومي بها. ويتشكل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية من لجنة الشؤون العامة الأميركية ؟ الإسرائيلية ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية المختلفة.
ويمتلك اللوبي اليهودي فروعا في مختلف الولايات الأميركية، وله علاقات وثيقة بمراكز القرار والمتمثلة في الكونغرس والبنتاغون والبيت الأبيض. كما يتغلغل اللوبي اليهودي في الصناعات الإعلامية والثقافية الأميركية.
فبالنسبة للوبي اليهودي، يربط أميركا وإسرائيل مصير واحد ومصالح واحدة وبذلك فإنه من المستحيل أن تتناقض أهدافهما ومصالحهما، هذه المسلمة جعلت عددا من المسيحيين ومن اليمين المتطرف في أميركا ينخرط في اللوبي اليهودي ويناضل من أجل تحقيق أهدافه وسياساته. فبالنسبة للمسيحيين الأصوليين المتشددين دعم إسرائيل واجب يجب القيام به وغير ذلك يتنافى مع إرادة الله.
وهناك شخصيات دينية نافذة ومؤثرة في أميركا من أمثال غاري بوير، جيري فالويل، رالف ريد وبات روبرتسون وغيرهم كثر يستعملون وسائل الإعلام والمنابر السياسية والدينية لنشر الفكر المساند لإسرائيل ولسياستها التوسعية في فلسطين. وإلى جانب رجال الدين هناك السياسيون من أمثال وليام بنيت، روبرت بارتلي، جين كيركباتريك، إيليوت أبرامز، بول ولفوينز وغيرهم ممن يلتزمون إلتزاما كبيرا وبدون شروط للتفاني في خدمة الدولة العبرية واللوبي اليهودي.
أما بالنسبة للسياسيين الأميركيين الذين يبحثون عن النجاح والوصول إلى البيت الأبيض أو مجلس الشيوخ أو مجلس النواب فهم مطالبون بالمرور باللوبي اليهودي والحصول على الموافقة والدعم. والدليل على ذلك هو أن موقف الرؤساء الأميركيين من القضية الفلسطينية.
لا يتغير بخروج الرئيس من البيت الأبيض ولا يتأثر بطبيعة الانتماء الحزبي للرئيس سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا. والدليل على ذلك هو الشخصيات السياسية التي أختارها أوباما للعمل معه في البيت الأبيض حيث ان معظمهم يتفانى في خدمة الدولة العبرية وأهداف ومصالح اللوبي اليهودي.
من جهة أخرى يجب العلم أن الرئيس الأميركي ليس حرا طليقا في كل القرارات التي يتخذها، فهناك قرارات تؤخذ وهو ليس مقتنع بها. فعندما يكون الرئيس الأميركي في سدة الحكم يكون له موقف معين، يكون غير مقتنع به في العديد من الأحيان، وهذا بسبب الضغوط والنفوذ القوي للوبي اليهودي. وعندما يغادر البيت الأبيض تتغير مواقفه و يصبح يتعاطف مع الحق ومع القضايا العديدة في العالم كقضية فلسطين مثلا.
وهذا ما حدث مع كارتر على سبيل المثال. والكتاب الأخير الذي كتبه الرئيس السابق عن الممارسات العنصرية والتمييز العنصري للكيان الصهيوني في فلسطين لاقى استياء كبيرا من قبل اللوبي اليهودي بالدرجة الأولى ثم بطبيعة الحال الرأي العام الأميركي والنخبة المثقفة ونسبة كبيرة من وسائل الإعلام.
خرج الرئيس كارتر من صمته وتكلم عن الأبرتايد الإسرائيلي في فلسطين وتكلم عن التمييز العنصري بالأدلة والأرقام والبيانات وكان الرد أن جامعات أميركية عديدة رفضت عرض كارتر تقديم كتابه وشرح وجهة نظره وفتح قنوات تواصل بين اليهود والفلسطينيين للتحاور والنقاش والتعايش في أمن وسلام وطمأنينة.
ففي كتابه «قوة إسرائيل في الولايات المتحدة» يستدل جيمس بيتراس بناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي عندما قال للرئيس السابق جيمي كارتر «ينبغي سحق اللوبي اليهودي لأنه أصبح قوة تدميرية وعقبة حقيقية أمام السلام في الشرق الأوسط!».
هذا كلام رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، فالولايات المتحدة أصبحت أسيرة اللوبي اليهودي في عقر دارها. كما استشهد الكاتب بيتراس بالملك حسين رحمه الله الذي قال ان: الولايات المتحدة لا تمتلك أي هامش حرية في منطقتنا. إنها مجبرة على مراعاة اللوبي اليهودي وحكومة إسرائيل وعدم الخروج على إرادتهما.
ومن الضحايا العديدين للوبي اليهودي في المؤسسة السياسية الأميركية بول فيندلي النائب من ولاية «إلينو» الذي كتب كتابه الشهير «إنهم يجرؤون على الكلام» حيث فضح من خلال صفحات كتابه الهيمنة الكاملة للوبي اليهودي على السياسة الخارجية الأميركية. كما راح ضحية اللوبي اليهودي ممثل الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة أندري يونغ.
فاللوبي اليهودي في الولايات المتحدة يتسم بالتنظيم والمنهجية وقوة العمل والتخطيط والبرمجة والقوة المالية والتنسيق على مختلف الصعد. فنسبة اليهود من سكان أميركا لا تتجاوز 5,2% لكن نفوذهم في صناعة القرارات السياسية تفوق 70% كيف لا و20% من مليارديرات الولايات المتحدة هم يهود.
نقول هذا الكلام ونسقطه على العرب والمسلمين في جميع دول العالم، وخاصة تلك الدول التي يوجدون فيها بالملايين ويساهمون في نموها وتطورها واقتصاداتها. وإذا أخذنا الجالية العربية والمسلمة في أميركا نجدها تتفرج على الانتخابات الرئاسية الأمريكية وكل المرشحين لكرسي الرئاسة يهرولون ويتملقون للوبي اليهودي حتى يرضى عليهم.
وهكذا نلاحظ أن أصوات العرب والمسلمين لا تساوي شيئا في بورصة الانتخابات الأميركية، بينما أصوات اليهود تزن ذهبا، الأمر الذي يشير إلى أن العرب والمسلمين ما زالوا بعيدين كل البعد عن صناعة اللوبيات وسياسة الكواليس وصناعة الرأي العام وبناء الصورة، وبذلك صناعة القرار السياسي الذي يخدم مصالحهم وأهدافهم.