يبدو أن الشعب الأميركي قبل الشعب العربي قد تعود على الأكاذيب أحيانا والنكات السخيفة غالبا التي دأب على إلقائها وسط الأزمات والكوارث رئيسه الراحل عن الرئاسة الذي أوقعه وأوقع العالم، خاصة الشرق الأوسط، في كل هذه المآسي والكوارث والأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وإذا كان تعريف النكتة هو الموقف أو القول المقلوب بوضع البياض في السواد أو السواد في البياض، فيبدو أن الرئيس السابق «بوش» بعد أن قلب البياض في العالم إلى سواد، يحاول تبييض سجله الأسود في آخر أيامه بإطلاق النكات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنها للأسف نكات سخيفة لا تضحك أحدا إلا رثاءً على مطلقها !
قبل يومين مثلا كان آخر ما أطلقه من نكات سخيفة «أنه يترك الشرق الأوسط وراءه أكثر تحررا»!.. وطبعا لم يظن أحد أنه يقصد التحرر من الاحتلال الأميركي للعراق أو لأفغانستان، أو التحرر من الاحتلال الصهيوني لفلسطين.. وعليه فلم يدر أحد عن أي تحرر يتكلم فيما أنجزه بوش، سوى التحرر الشخصي من التركة الثقيلة التي سيسلمها للرئيس أوباما»!
بينما لا تساؤلات تطرح نفسها في أحاديث الناس خصوصا المظلومين والمهمشين في العالم إلا عن مدى ما يملك «الرئيس باراك حسين أوباما» من قدرات لمواجهة التركة البوشية الثقيلة المشبعة بالإخفاقات والفضائح والأزمات سواء في الداخل الأميركي أو في الخارج، وخاصة في الشرق الأوسط الذي يضم العرب والمسلمين، وعما يمكن أن يفعله لإعادة تصحيح الاختلالات في العلاقات والموازين الدولية بالمبادئ الدولية التي تتقدمها قيم العدالة والاستقلال والمساواة.
ولا شاغل للحكومات ولدوائر صنع القرار في الدول التي ربطت نفسها بسياسات بوش ولم تصغ إلى صوت شعوبها وركبت سفينته الحربية المثقوبة اختياراً، أو في تلك التي ربطها بوش إجباراً بمشاريعه الإمبراطورية الغاربة شمسها.
إلا بمحاولة تصحيح أو توفيق أوضاعها للتكيف مع الأزمات التي أوقعهم فيها «كبيرهم هذا»، سواء بالقفز من السفينة الغارقة أو تعديل اتجاهاتها السابقة وتحويل بوصلتها البوشية بعيدا عن الموجة العاتية في عالم بدأ يتغير بعد «بوش» بغير جدال !
تؤكد ذلك تلك الأصوات الأوروبية والأميركية، وأذكر أني قرأت في «الغارديان» مقالا بعنوان «محاكمة النموذج الرأسمالي الديمقراطي الأميركي». وفيه يشير الكاتب تيموثي جارتون إلى إحدى نكات الرئيس بوش بقوله: «الديمقراطية الرأسمالية هي النظام الأفضل».
وعلق الكاتب: «إن الرأسمالية الأميركية تُغير شكلها أمام عيوننا.. ومثل كاراكوتا، لا أحد يعرف كيف سيبدو منظرها بعد أن تنتهي هذه الفوضى». وفى إشارة إلى رفض مجلس النواب تمرير الخطة مرتين وهبوط المؤشر بعدها محققا خسائر ضخمة، علق قائلا: «لقد اصطدمت الديمقراطية مع الرأسمالية»!.
وقارن الكاتب بين موقف الأميركيين وموقف الأوروبيين في مواجهة المشكلة، فقال «الأوروبيون يفضلون تدخل الدولة لحل المشكلة بشكل حاسم، بينما يرفض الأميركيون بسبب عقدة «وول ستريت» المكروه من عموم الشعب، بعد أن أصبح الأثرياء أكثر ثراء وازداد الفقراء فقرا».!
وبينما يودع العالم بوش بنكاته السوداء ويتقبل أوباما بوعوده البيضاء، يبدو أن أميركا قد تغيرت جبريا في عهد بوش إلى «الرأسمالية الاشتراكية»، وستتغير اختياريا بإرادتها الديمقراطية إلى «الاشتراكية الرأسمالية» في عهد أوباما الذي يبدو أنه أفضل.