أخيرا، أفرجت إدارة بوش عن النسخة الإنجليزية لنص الاتفاق العراقي ـ الأميركي الذي يضع جدولا زمنيا لانسحاب القوات الأميركية من العراق وينظم عملها من الآن وحتى إتمام الانسحاب. فإدارة بوش كانت حريصة كل الحرص على حجب المشروع عن الإعلام والرأي العام الأميركي إلى أن يصدق عليه البرلمان العراقي.

ولعل السبب في ذلك هو أن نشر الوثيقة التي تقر جدولا زمنيا للانسحاب الأميركي كان سيمثل إحراجا لإدارة بوش لو رفضها العراقيون. وبالفعل بمجرد تصديق البرلمان العراقي عليه في 27 نوفمبر الماضي، صار النص الإنجليزي متاحا بل وموجودا على مواقع حكومية عدة على شبكة المعلومات وعلى رأسها موقع البيت الأبيض ووزارة الخارجية.

والاتفاق سيصبح نافذا اعتبارا من الأول من يناير المقبل من دون تصديق الكونغرس الأميركي. فقد خططت إدارة بوش منذ البداية للموضوع على نحو يجعل الاتفاق يندرج تحت ما يسمى بالاتفاقات التنفيذية أي تلك التي يبرمها الرئيس الأميركي دون الحاجة إلى تصديق مجلس الشيوخ عليها. فهي أخطرت الكونغرس قبل البدء في التفاوض بشأن الموضوع ويلزم عليها مجرد عرضه عليه في خلال 60 يوما من إقراره.

وينص الاتفاق على انسحاب القوات الأميركية من كل المدن والقرى العراقية في يونيو 2009 وانسحاب كل القوات الأميركية من الأراضي العراقية في ديسمبر 2011. كما ينص الاتفاق على طرح بنوده على المواطنين العراقيين في استفتاء عام في يوليو 2009.

ورغم التعتيم الذي فرضته إدارة بوش حول الاتفاق والذي قد يعطي الانطباع بأنه سوف يلقى معارضة شرسة إذا ما تم الاطلاع عليه فإن الاتفاق لم يلق معارضة تذكر داخل أميركا منذ أن تم نشره. بل أكثر من ذلك، فإن من يقرأ بنود الاتفاق لا يجد فيها ما يدعو الكونغرس الذي يسيطر الديمقراطيون على الأغلبية فيه للاعتراض. فالديمقراطيون أرادوا عموما الانسحاب من العراق ولم يمانعوا من أن يكون مثل ذلك الانسحاب تدريجيا.

وبالنظر إلى فريق السياسة الخارجية الذي اختاره أوباما فلا يبدو أيضا أن الاتفاق سوف يلقى على الأرجح معارضة من جانب الإدارة الجديدة. بل على العكس من ذلك، لعل ذلك الاتفاق يكون نقطة الانطلاق التي سوف تبدأ منها إدارة أوباما عملها حيث يتوقع أن تستخدم الاتفاق نفسه كجزرة وعصا في آن واحد.

وبادئ ذي بدء ينبغي القول إن هناك فارقا بين ما تعهد به أوباما وبين ما جاء في ذلك الاتفاق ولكنه فارق لا يمثل تناقضا. فأوباما كان قد تعهد في الحملة الانتخابية بالانسحاب من العراق في غضون 16 شهرا من توليه أي مع حلول مايو من عام 2010.

إلا أن القوات التي كان يقصدها أوباما بذلك الانسحاب كانت في الواقع القوات «المحاربة» فقط. أما القوات «المتبقية» لأغراض التدريب ومساعدة القوات العراقية وحماية المصالح الأميركية فلم يحدد أوباما طوال الحملة موعدا زمنيا لسحبها.

بل أكثر من ذلك، فقد تحدث أوباما خلال الحملة عن احتمالات التوقف عن سحب القوات إذا ما استدعت الظروف على الأرض مثل ذلك التأخير. ومن هنا فإن ما جاء في الاتفاق يمثل إطارا زمنيا مختلفا بعض الشيء عن ذلك الذي كان قد حدده أوباما ولكنه لا يختلف من حيث الجوهر في واقع الأمر. ومن هنا فإن الأرجح أن تقوم إدارة أوباما بتوظيف ذلك الاتفاق على نحو يضمن لها أعلى كسب ممكن.

فمن الواضح من الجدل العام داخل أروقة النخبة السياسية في واشنطن أن هناك رأيين رئيسيين بشأن موضوع الانسحاب من العراق. الأول يرى أن الانسحاب لا ينبغي أن يتم إلا بعد أن تحدث في العراق مصالحة سياسية تضمن استقراره. أما الفريق الثاني فيرى أن رحيل القوات الأميركية هو المفتاح الذي بدونه لن تتحقق مثل تلك المصالحة.

والأرجح بعد إبرام ذلك الاتفاق أن تستخدمه إدارة أوباما وفق استراتيجية تقع في مسافة وسط بين هذين الرأيين، أي تستخدم الانسحاب الذي نص عليه الاتفاق كورقة جذب للقوى العراقية والأطراف الإقليمية التي تريد أن ترى انسحابا أميركيا كشرط لتعاونها، ثم تستخدم الانسحاب نفسه كما نص عليه الاتفاق كعصا للقوى العراقية والأطراف الإقليمية المستفيدة من الوجود الأميركي وذلك لدفعها دفعا للتعاون مع أميركا على تشكيل العراق على نحو يضمن لها مصالحها على المدى الطويل بعد رحيل الاحتلال.

فالهدف الرئيسي للولايات المتحدة في العراق في المرحلة المقبلة هو تقليل الخسائر الأميركية المادية والأدبية إلى الحد الأدنى والعمل على تشكيل العراق قبل الرحيل على نحو يخدم بقدر الإمكان المصالح الأميركية على المدى الطويل.

ومن أجل تحقيق ذلك، فسوف تسعى إدارة أوباما على الأرجح لا فقط للتعامل مع كل القوى العراقية لدفعها لقبول صيغة تناسب المصلحة الأميركية وإنما سوف تسعى أيضا لشن حملة دبلوماسية واسعة النطاق تشمل كل الأطراف الإقليمية الفاعلة- وعلى رأسها إيران- لدفعها دفعا للعمل من أجل إنجاح تلك الصيغة. وفي كل ذلك سوف يكون الاتفاق الذي أبرمته إدارة بوش بمثابة العصا أحيانا والجزرة أحيانا أخرى كما تقدم.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا بوضوح هو ما الذي أعده العرب استعدادا لكل ذلك؟ بعبارة أخرى، هل ستكون الأطراف العربية المختلفة في موقع «المتلقى» للمبادرات والخطط التي تأتي من واشنطن بشأن تشكيل مستقبل العراق؟ وهل يجوز أن يغيب العرب عن وضع رؤية مستقلة لمستقبل المنطقة ودور العراق فيه بعد استقلاله؟ وهل يمكن وقتها أن نوجه أي لوم لإدارة أوباما أو نتهمها بتجاهل المصالح العربية؟

manarmes@yahoo.com