مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة والبرلمان في أوكرانيا بدأ الصراع السياسي في البلاد يأخذ توجهات جديدة، وظهرت تحالفات تختلف عن تحالفات الثورة البرتقالية، بل ان الخريطة السياسية الجديدة في أوكرانيا قضت تماما على ما سمى بالثورة البرتقالية، من حيث سياساتها وأهدافها، وكشفت سمات الوضع السياسي الراهن أن أغلبية هذه القوى ليست أكثر من مراكز قوى تحاول تحقيق مصالحها عبر زيادة نفوذها داخل السلطة.
وللمرة الثانية يرتكب الرئيس الأوكراني يوشينكو سلسلة أخطاء غالبا ما ستؤدي لإنهاء دوره في الحياة السياسية. إذ يصر الرئيس على مواصلة الصدام مع بقية القوى السياسية بدلاً من أن يجد معها لغة تفاهم مشتركة، وقد هاجم بشدة التعاون بين حزب الأقاليم الذي يسيطر على أغلبية المقاعد البرلمانية بزعامة فيكتور يانكوفيتش، وكتلة رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو.
حيث أعلن يوشينكو أن الائتلاف بين حزبي الأقاليم وتكتل يوليا تيموشينكو، الذي قد يشكل في البرلمان، يهدد الديمقراطية في أوكرانيا. واتهم روسيا أيضا بالتدخل في شؤون أوكرانيا الداخلية، معتبرا أنها المحرض على إنشاء ائتلاف بين كتلة رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو .
والتيار المعارض بزعامة فيكتور يانوكوفيتش، وكأنه حرق كل أوراقه مع موسكو ولم يعد لديه أمل في التفاهم أو حتى الحوار معها، في حين أن موسكو مازالت أبوابها مفتوحة لجميع القوى الموجودة على الساحة الأوكرانية بما فيها الرئيس يوشينكو.
والحقيقة أنه ليس مفهوما لأحد سبب إصرار يوشينكو على شن هجوم ضد روسيا، خاصة بعد أن شكل فريقا استراتيجيا لتحسين العلاقات مع روسيا، يضم رايسة بوغاتيريوفا سكرتيرة مجلس الأمن والدفاع الأوكراني، ورئيس هيئة الأمن الأوكرانية بالوكالة فالنتين ناليفايتشينكو، ورئيس شركة «نفط غاز أوكرانيا» أوليغ دوبينا.
ويسعى هذا الفريق لتوحيد الجهود الأوكرانية الروسية لمواجهة الأزمة المالية العالمية، باعتبار أن روسيا أكبر شريك تجاري لأوكرانيا، حيث يزيد حجم التبادل التجاري معها عن 30 مليار دولار سنويا، ما يعني أنها الطرف الأول بالنسبة لكييف الذي لابد من التعاون معه لإيجاد سبل لتذليل الأزمة المالية.
وبالرغم من وجود هذه القناعة في أوساط الرئيس الأوكراني، إلا أن يوشينكو يواصل توجيه الاتهامات لروسيا، بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية لأوكرانيا عبر علاقاتها مع القوى السياسية المختلفة، مما يوضح أنه حريص فقط على مقعده ومستقبله السياسي، وهو الأمر الذي ينفر ويضايق الكثير من أعضاء فريقه.
المشكلة الثانية تطل من جانب قوى المعارضة التي أصبحت في جبهة ضد الرئيس يوشينكو، والتي مازالت تتعثر اتفاقاتها بسبب الخلاف حول توزيع المناصب، فقد اتفق حزب الأقاليم المعارض وتكتل يوليا تيموشينكو على تشكيل ائتلاف يكسب أغلبية دستورية في البرلمان.
إلا أن إصرار قطاع واسع من حزب الأقاليم على أن يشغل يانوكوفيتش منصب رئيس الوزراء في هذا التحالف، يسبب المشاكل التي تعيق تشكيل هذا الائتلاف، حيث يصر تكتل يوليا تيموشينكو على أن تبقى رئيسة التكتل رئيسة للحكومة.
رغم أن رئيسة الوزراء نفسها، حسب تأكيدات أنصارها، مستعدة للتنازل عن هذا المنصب. ويانوكوفيتش أعلن انه مستعد للتخلي عن المطالبة بمنصب رئيس وزراء أوكرانيا في حالة تشكيل ائتلاف برلماني بمشاركة حزبه، باعتبار أن أوكرانيا تعاني من الأزمة الاقتصادية.
ويبدو واضحا أن مقدرات أوكرانيا مازال يتحكم بها مجموعة من القيادات السياسية التي تتقدم أولوياتها مهمة البقاء في السلطة، والاستفادة من نفوذها السياسي، حيث تكشف مفاوضات تشكيل الائتلاف البرلماني وقرارات يوشينكو المضادة لمعارضيه.
إن كلا الطرفين لا يسعيان لوضع برنامج لإنقاذ البلاد من تداعيات الأزمة المالية، كما لا توجد أي خطط جادة لسداد الديون الأوكرانية المترتبة على استيراد الغاز الروسي، ما يهدد بتقليل كميات الغاز التي تقوم شركة(غاز بروم) الروسية بتوريدها لأوكرانيا.
ويجب أن تأخذ القيادة الأوكرانية بعين الاعتبار أن روسيا بدأت بإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من حقوله في شبه جزيرة يامال إلى أوروبا، ولن يمر هذا الخط عبر الأراضي الأوكرانية، ما يعني أن روسيا في طريقها للاستغناء عن خطوط نقل الغاز التي تمر عبر أوكرانيا والتي تنقل إلى أوروبا حوالي 80 ملياراً، وستفقد كييف الورقة التي تضغط بها على موسكو.