تعلن الدول بين فترة وأخرى بأنها مخترقة اختراقاً كبيراً أو صغيراً من قبل دول أخرى وقوى خارجية صديقة أو معادية، فكم من مرة تكتشف الولايات المتحدة بأن أحد أجهزتها مخترقة من قبل دول صديقة بل وحميمة كإسرائيل وغيرها أو أن يكون هذا الاختراق من قبل جماعات سياسية موالية أو معارضة لها في الداخل. وقد يكون الاختراق محدود التأثير وأحياناً أخرى كبيراً وواسع التأثير.
ويشكل الدين الإسلامي شرعية قيام الدولة في باكستان، كما شكلت اليهودية شرعية أو مبررات قيام الدولة اليهودية في فلسطين. ولسنا هنا في مجال المقاربة بل الإشارة إلى أن الدولتين تجمعهما قواسم مشتركة رغم اختلافهما الديني: فالدين في كلتا الحالتين يشكل الركن الأساسي في شرعية النشأة، والعسكر في كلتيهما يمسكون بزمام الدولة ومؤثرين بشكل كبير في سياساتها.
ونتيجة لتقاطع الأمن بالسياسة فيهما أو بالأحرى نتيجة لتدخل العسكر فيهما بإدارة الدولة وسياستها الخارجية فقد دخلت كلتاهما في حروب مدمرة مع جيرانهما: ارتفعت في حالة إسرائيل إلى خمس حروبا كبرى والعديد من الحروب الصغيرة- الكبيرة، في حين اكتفت باكستان بحربين مع جارتها الهند.
وترتبط كلتا الدولتين بعلاقات مميزة بالولايات المتحدة الأميركية تستقبلان من خلال ذلك دعما عسكريا كبيرا. وفي حين تحظى إسرائيل بدعم الدولة كلها في الولايات المتحدة الأميركية، فإن البنتاغون في الحالة الباكستانية يشكل كل الموقف الأميركي الداعم للباكستان لأسباب بعضها بات من بقايا الحرب الباردة وأخرى متعلقة بكون باكستان أحد أهم مستوردي السلاح الأميركي في منطقة جنوب آسيا، وبكونها دولة تمتلك السلاح النووي مقابل دولة الهند مالكة ذات السلاح.
ورغم أن الكثير من الدول العربية والإسلامية يحتل العسكر فيها رئاسة الدولة، إلا أن ذلك لم يَقُدْ إلى حد كبير إلى عسكرة الدولة كما هي في الحالة الباكستانية. ورغم أن العسكر هم الحاكمون كذلك لإسرائيل، إلا أن وصولهم لمراكز السلطة فيها يأتي عبر آليات العمل الحزبي، في حين أنها كانت على الدوام في باكستان عبر انقلابات عسكرية وإن كانت في بعض حالاتها بتشجيع أميركي.
وتتقارب كلتا الدولتين في أمر آخر، وهو تشجيعهما للجماعات الإسلاموية لإضعاف الآخر المختلف، وهو أمر قد اتفقت معهما فيه الكثير من الدول العربية حتى ارتدت هذه الجماعات على دولها بشكل مخيف ومرعب.
ففي حين شجعت إسرائيل الجماعات الإسلاموية لضرب أو إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية حتى ارتد عليها بشكل غير متوقع في شكل حماس والجهاد الإسلامي، فإن باكستان قد أنشأت وشجعت الجماعات الإسلاموية في بادي الأمر لأضعاف الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ثم أنشأت وكالتها الاستخباراتية حركة طالبان لإضعاف الحركات الأفغانية الأخرى المختلفة معها.
كما وشجعت ودعمت وفي بعض الحالات رعت بعضا من الحركات الكشميرية المتطرفة، كما ووسعت من الدعم المادي المقدم لها، وسعت كما هو الحال في حركة طالبان للحصول على دعم مادي لها واعترافا دبلوماسيا بها، بل إن جهازها الاستخباراتي كان داعما مثلا لنشأة حزب نواز الشريف الإسلامي في محاولة منه لإضعاف حزب الشعب الباكستاني المعارض حتى ارتد الأخير عليها.
إلا أن ارتداد كل ذلك على الدولة في باكستان تمثل في اختراق بعض من هذه الجماعات لكل أجهزة الدولة وتحديدا جهازها الاستخباراتي وهو عماد أمنها القومي، ويعكس هذا سلسلة الاغتيالات السياسية التي تنفذ من قبل الجماعات الإسلاموية المتطرفة ضد معارضي النظام السياسيين كما هي في حال اغتيال بي نظير بوتو.
وفي تورطه في الصراعات المذهبية بين الطوائف الإسلامية، وفي تورط جهازها الاستخباراتي في أعمال إرهابية كان آخرها تورط «جند طيبة» في العملية الإرهابية في مدينة مومباي الهندية والذي استهدف مراكز تجارية وسياحية وحيوية في المدينة وراح ضحيته ما يقارب من المئتي قتيل.
ويمثل جند طيبة عماد المقاومة الباكستانية لما يسمى بالاحتلال الهندي لكشمير، والمعروف أن جند طيبة هم صنيعة الجيش الباكستاني وجهازها الاستخباراتي. ولربما يفسر هذا التورط التحرك الأميركي السريع للجم أية ردات فعل هندية محتملة تجاه باكستان.
وقد يقود الضغط الأميركي المتزايد على الحكومة الباكستانية، للكشف عن حجم التورط الباكستاني في العملية الإرهابية الأخيرة في مدينة مومباي، إلى قدر غير محسوب من ردات الفعل الغاضبة من قبل الجماعات المتغلغلة في جهازها الاستخباراتي والمتورطة في الكثير من الأعمال الإرهابية في الهند.
إلى أن تنفذ هذه الجماعات مجموعة من القلاقل السياسية في منطقة القبائل الباكستانية- الأفغانية هو الأمر الذي سيزيد من حالة الفوضى والاضطراب في الدولة المخترقة وسيعرض القوات الأميركية في مناطق القبائل الأفغانية وفي الداخل الأفغاني إلى صعوبات جديدة وعديدة.
ورغم أن باكستان قد ولدت يوم ولدت الهند ورغم أنهما تنتميان لذات الإقليم الجغرافي ولنفس الأساس الإثني المكون للمجتمع في جنوب آسيا إلا أنها، أي باكستان، ولأسباب متعلقة بصراعات الداخل قد عجزت عن أن تحقق كثيرا على صعيد بناء الدولة من الناحية السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وأن تكون في السباق نحو المستقبل رغم امتلاكها للكثير من عناصره البشرية.
