مع الأزمة المالية التي اجتاحت العالم أجمع من أقصاه إلى أدناه، وتداعياتها التي قيل إنها ستغير خارطة الإنفاق وستحدد ملامح جديدة لاقتصاد الدول، ومعها ستتغير حالة السوق التي توقعوا لها الركود، فطالما لا سيولة إذاً لا قوة شرائية كبيرة، ولكن ما يلاحظ في أسواقنا وتحديدا في السوق الاستهلاكي اليومي، مغاير لكل تلك التوقعات ومخالف لكل الأقاويل والآراء.
فالأسعار في ارتفاع جنوني، واستغلال حاجة الناس خلال احتفالات الدولة بالعيد الوطني ومن بعده حلول عيد الأضحى المبارك ـ أعادهما الله علينا بالخير والرخاء ـ كان أيضا جنونيا، في كل الأسواق ومع كل المنتجات والمواد الاستهلاكية بلا استثناء، وكان السوق بحق خارج نطاق السيطرة لعب التجار والباعة لعبتهم، وفعلوا في السوق ما يحلو لهم.
صور بشعة لاستغلال حاجة الناس في مثل هذه المناسبات برزت بكل وضوح في محلات بيع الملابس ومحلات الخياطة ومحلات بيع وتفصيل العباءات كانت الذروة في سوق الماشية، التي قيل إن سعر الخروف فيه وصل إلى 3500 درهم، وهو بمنطق السوق الطبيعي سعر بقر محلي حلوب وليس خروف أو حتى تيس وإن كان حلوبا ـ كذلك الذي ورد ذكره في المثل الشعبي «قلنا تيس قال احلبوه».
بالطبع لا شيء خارقاً ولا غير طبيعي في هذه الخرفان ولا تزيد على غيرها التي لم يزد سعر الواحد منها على 500 أو 800 درهم ولكن ما تغير من سوق إلى غيره.
فضلا عن حالة الجشع والاستغلال التي يتحينها البعض هو ضعف الرقابة بل غيابها عن السوق خاصة قرب حلول مناسبات معينة ينبغي أن تكون السلطات على دراية كافية بدهاليزها وما يحدث فيها وما يقدم عليه البعض من بسط هيمنة غير قانونية على السوق والتلاعب بالأسعار فيه، وجعل الناس بين نارين نار الاكتواء بالغلاء، ونار الحاجة التي لا بد معها من تأمين متطلبات المناسبة.
وعلى سوق الماشية قس بقية الأسواق والخدمات التي لا جديد يقدم للمستهلك بل على العكس تكون ناقصة والخدمات دون المستوى، والفاتورة رقم لا يصدق، محلات الحلاقة، لا نظافة تذكر ولا التزام ولا تقيد بما تحمله ورقة تزين صدر المحل من شروط محددة من قبل الجهات المختصة بالرقابة وتشديد التعليمات، لكنها ليست أكثر من حبر على ورق ، مثلها محلات «الكوافير» التي تكتظ بها السيدات، تستقبل أعدادا تفوق حجمها وعدد العاملات فيها، ويصبح كل شيء فيها (سلطة على شوربة) يختلط الحابل بالنابل وفيها «على النظافة والسلامة دور».
حالة مزرية تعيشها الأسواق، كبيرة كانت أم صغيرة ـ لا فرق ـ الكل يبحث عن استغلال المستهلك ـ المسكين ـ الذي يصبح في كل المواسم كبش فداء لجزارين لا يخشون الله، ولا يراعون حدوده في رحلة الربح والكسب، وتحقيق أكبر قدر من الأموال بالبيع الشريف أو استغلال الحاجات والمناسبات، - لا يهم ـ المهم ألا يمر الحدث من دون أن تتضاعف مكاسبهم، يفسرها البعض بغياب الرقابة الرسمية، في ظل سيطرة فئات معينة على حال السوق بأكمله ودهاليزه الضيقة، وهم أدرى من غيرهم بكل ما يدور فيها.
السوق قلنا ونجدد القول إنه بحاجة إلى الضبط والربط والمراقبة، بحاجة إلى قوانين صارمة تحكمه وتعيد الأمور فيه إلى نصابها في وقت لم يعد يجدي فيه السكوت.
