مع اقتراب رحيل إدارة الرئيس بوش، ومع دنو العام من نهايته؛ تكثر التقييمات والجردات، للمحاصيل والملفات، وبالتحديد للملف الفلسطيني، وبالأخص من واشنطن، فضلاً عن بعض العواصم الأوروبية. وكلها تتقاطع عند رسم لوحة واعدة، تعطي، أو بالأحرى يراد لها أن تعطي؛ الانطباع بأن الأمور تسير في الطريق المؤدي إلى تحقيق ما وُعِد به الفلسطينيون، من دولة وسلام.
كما إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل، لحملها على وضع حدّ لتجاوزاتها وانتهاكاتها. لوحة تتضارب تماماً مع واقع الحال. كما مع احتمالات ترجمتها، لأن ما تأسس على الأرض يحول دون ذلك. ولأن محاولات، أو ما يشبّه بأنه كذلك، وقف انتهاكاتها؛ أبعد ما تكون عن وضع الإصبع على الجرح.
الوزيرة رايس، حرصت خلال أكثر من مقابلة تلفزيونية يوم الأحد، على رش المزيد من مساحيق التزيين على تركة الإدارة؛ إزاء المسار الفلسطيني. والرئيس بوش، سبقها، قبل أيام، وتولى تلميع مآثره، في هذا الخصوص كما في العراق.
تقول الوزيرة، المنهمكة بجمع أوراقها للمغادرة، إن «الإسرائيليين يدعمون أكثر من أي وقت مضى، الحل القائم على دولتين». لكن لم تقل لنا، ما الذي حال دون ذلك. وعوضاً عن تقديم مثل هذا الشرح، اكتفت الوزيرة بالتبشير «بحصول الفلسطينيين على دولتهم قريباً»!
والبشرى تقوم على تأكيدها بأن الجانبين يتفاوضان (جدّياً)؛ و«يتجهان نحو التوصل إلى اتفاق». سؤال يفرض نفسه: لو كانت الأرضية جاهزة إلى هذا الحدّ، فما الذي منع قيام الدولة الفلسطينية؟ ثم سؤال بديهي آخر: إذا كانت ولادة الدولة قد باتت مسألة وقت قريب.
فلماذا وكيف تفوّت إدارة بوش هذه الفرصة ولم تعمل بما يكفل حصولها؛ قبل مغادرتها البيت الأبيض وبالتالي تسجيلها كإنجاز تاريخي يحسب لها؟ لاسيما أنها بحاجة لأي إنجاز، يمكنه أن يغطي شيئاً من العجز الهائل في سجلّها؟ الكلام في هذه اللحظات الوداعية، صار بضاعة بلا جمرك. بدأته الوزيرة قبل فترة، بحديث أصرّت خلاله على أن الإدارة تترك الشرق الأوسط في «حال أفضل مما كان عليه».
قبل أيام، كرّر الرئيس بوش الزعم نفسه. وتعود هي اليوم للتوكيد عليه؛ فيما يعمل وزير خارجية بريطانيا من رفض حكومته استيراد منتجات من المستوطنات الإسرائيلية، في الضفة؛ وكأنه بمثابة خطوة مؤذية للاقتصاد الإسرائيلي؛ وبالتالي ضاغطة على تل أبيب لوقف الاستيطان.
فيما لا يصدر عن واشنطن، كما عن عواصم أوروبية؛ غير ما يوازي ذرّ الرماد في العيون؛ يبقى الوضع الفلسطيني أسير اشتباكه مع نفسه. لا حوار ولا فك للحصار ولا حتى عيد.
