بالنسبة لي، يشكل العام 1979، نهاية حقبة زعماء النصف الأول من القرن العشرين، أي الزعماء الذين ارتبطت أسماؤهم بأحداث كبرى. نوع من الزعماء الذين يتمتعون بالكاريزما والجاذبية والقدرة على الاستحواذ وغالبا من تحت راية الايدولوجيا والسياسة. زعماء سرعان ما تتحول مقولاتهم وخطبهم إلى أناجيل في يد أنصارهم والدليل الشامل للحكم والحياة أيضاً.

ففي مطلع ذلك العام (1979)، أطاح آية الله الخميني بنظام الشاه في إيران وبعده بقليل أطاح ثوار «الساندينستا» بنظام انستازيو سوموزا في نيكاراغوا، وأهمية الحدثين لا تنبع من كونهما انتصارا لثورات جماهيرية سقط فيها آلاف الضحايا فحسب، بل في تغيير قوانين لعبة العلاقات الدولية بشكل جذري.

والواقع أن استعراض أسماء زعماء تلك الحقبة من السياسيين، سيظهر بلا شك تلك الجاذبية الهائلة التي مارستها الايدولوجيا على الناس في العقود الماضية. وسواء تعلق الأمر بفلاديمير ايليتش لينين في روسيا أو بهتلر في ألمانيا أو موسوليني في ايطاليا أو ديغول في فرنسا أو هوشي منه في فيتنام أو المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو في الهند وماو تسي تونغ في الصين وجمال عبدالناصر في مصر، أو جوزيف بروز تيتو في يوغسلافيا فإن جميع هؤلاء الزعماء مارسوا تأثيرهم من تحت راية الايدولوجيا.

أمام سحر الأفكار، لم يكن صعباً ملاحظة أن الزعماء الذين يملكون رؤى يختلط فيها الذكاء العملي بحسن التخطيط والرؤى البعيدة يتوارون قليلاً: شوان لاي في ظلال ماو تسي تونغ، جواهر لال نهرو في ظلال المهاتما غاندي. لقد كان غاندي زعيماً ملهماً، لكن نهرو كان باني أمة صاحب أفكار رؤيوية أثمرت بعد عقود من المثابرة.

لقد شكل هؤلاء عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية لنحو ثلاثة عقود منذ الخمسينات وحتى السبعينات تقريبا من القرن الماضي. اليوم فقط يبدو هذا تاريخا بعيدا لأن زمنا طويلا مر منذ سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم، ومعه لم تتغير الوجوه فقط بل الأفكار والأيدلوجيات ومنظومة كاملة من الأفكار والمقولات التي باتت تحكم العالم منذ ثلاثة عقود تقريبا.

لقد انتهت تلك الحقبة بزعمائها وأفكارها، لكن التاريخ يعلمنا دوما أن التغيير لا يكتمل دفعة واحدة، بل ان اخطر ما فيه هي المراحل الانتقالية التي تتسم بقدر كبير من القلق وانعدام اليقين، أي كل ما يستثير الخوف.

لقد تلاشى سحر الإيديولوجيات لصالح قيم السوق المفتوحة وتبادل المنافع والاقتصاديات المعولمة. هذه الأفكار جاءت بزعماء من نوع جديد وباتت معايير الحكم على الكفاءة والانجاز بالنسبة للزعماء تقاس بالأرقام: النمو الاقتصادي، الناتج القومي ونسبة الفرد منه والعائد من المشروعات والاستثمار.

وبدا أن الجيل الجديد من قادة الدول قد استوعبوا دروس الحقب الماضية وتجارب زعماء تلك الحقبة المنتهية. فالعداوات والحروب لا تجلب الازدهار الاقتصادي ولا المعيشة الحسنة للناس، فانخرطوا في شكل جديد من العلاقات الدولية تضع تبادل المنافع على رأس أولوياتها. هكذا ظهرت النمور الآسيوية واندفعت الصين في نمو اقتصادي متسارع، لكن من الصعب أن يتذكر كثيرون زعيما مثل مهاتير محمد الذي يشار إليه دوما باعتباره باني أسس الازدهار الاقتصادي في ماليزيا.

ربما تعيدنا المقارنة بين كلا نوعي الزعماء (الأيديولوجيين والبراغماتيين) إلى حقيقة قد ننساها أحيانا وهي أن الناس أو الجماهير تنجذب للخطاب أكثر من الاقتصاد وأرقامه. في تنويع آخر، تسحرها الدعاية أكثر من الحقائق.

منذ العام 1979، لم يظهر زعيم من الطراز الأيديولوجي وآخر زعيم من هذا النوع كان آية الله الخميني، لهذا يبدو النموذج الذي تمثله إيران منذ ذلك الحين وحتى اليوم حالة استثنائية في عالم اليوم.

بالمقابل، فإن الملاحظات حول نهاية عصر المؤسسين والزعماء الأيديولوجيين لا تصح على الدول العربية بل حتى على عدوتهم التاريخية إسرائيل.

فمن جيل المؤسسين الأوائل لم يبق سوى شمعون بيريز، وكل ما جرى في إسرائيل منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وحتى اليوم يظهر بجلاء أن الإسرائيليين هم أكثر من يحركه الفزع والخوف من المستقبل في هذه المنطقة. ليس أكثر من دليل سوى هذه الوحشية المتصاعدة فيهم وانعدام السوية حيال الفلسطينيين، فهي دليل واضح على الخوف وليس الاقتدار.

لكن حتى الفلسطينيين ليسوا استثناء من إرهاصات المراحل الانتقالية أيضا بل ان كل ما يجري يثبت تماما أنهم أكثر ضحايا قلق وانعدام يقين المراحل الانتقالية. فمع رحيل ياسر عرفات، فقد الفلسطينيون آخر خيط لهم بالحقبة السابقة التي كان فيها الزعماء (من طراز عرفات) يمثلون صمام أمان لدى الناس والبسطاء منهم. ابومازن من نفس جيل عرفات وحقبته لكنه زعيم من طراز آخر.

واقعيته وبعده عن الصخب يبدو أصعب من الاحتمال لدى خصومه وقطاع لا بأس به من الفلسطينيين والعرب فأصبحوا أسرى القلق والخوف. ينطوي الأمر على مفارقة أيضاً، فثمة حقيقة قد ينساها كثيرون وهي أن زعيماً من طراز ابومازن يبدو أصعب على الإسرائيليين من أعداء واضحين مثل حماس.

الجديد يجدد المخاوف لدى البعض، ولعل هذا ما يدفع هذا البعض للتعبير عن مخاوفه بأكثر من طريقة، لكن المشكلة أن أحدا لا يستطيع ضمان أسلوب التعبير، ففي الغالب مثلما أثبته التاريخ، يأتي التعبير عن الخوف من التغيير عنيفا.

هذا ما يحوم الآن حول باراك أوباما مثلاً، فما يقترحه فوز أوباما ليس سوى ذروة لإرهاصات طويلة من الرغبة في التغيير. على هذا تم التعامل بجدية شديدة مع التهديدات بل حتى التكهنات باغتياله، بدليل أن أمنه الشخصي انتقل من فريق خاص به إلى الاستخبارات الأميركية في ذروة الحملة الانتخابية في أغسطس الماضي. القلق حول أوباما حقيقي.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com