أثارت الهجمات الإرهابية المتوحشة التي تعرضت لها العاصمة الاقتصادية والمالية الهندية بومباي، ورمز ثورة الاتصالات الحديثة، والمدينة الأكثر نموذجية للإنجاز والنجاح والتي تحتوي على أجمل رموز النمط الحياتي : فنادق « تاج محل» وأوبروي، في الآونة الأخيرة، العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام، حول الدوافع والأسباب الواقفة وراء دفع هذه المنظمة الأصولية الإسلامية غير المعروفة سابقا للقيام بهذا العمل الإرهابي الذي سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل العلاقات الهندية ـ الباكستانية.
الاتهام الهندي لتنظيم «عسكر طيبة» بأنه المسؤول عن هجمات بومباي الإرهابية له ما يبرره في تاريخ من النزاع في كشمير، إذ كان لتنظيم «عسكر طيبة» دور ووظيفة، ولاسيما في ظل تواطؤ بعض أجهزة الأمن الباكستانية مع التيارات الأصولية المتطرفة، حتى ولو أن العهد الجديد في باكستان في ظل الرئيس علي آصف زرداري هو الأقرب إلى الولايات المتحدة الأميركية.
ويعتبر تنظيم «عسكر طيبة» جماعة سلفية جهادية تأسست عام 1995 برئاسة البروفسور حافظ سعيد وتضم أكثر من ستة ألاف مقاتل .وبعد أن أدرجتها الولايات المتحدة الأميركية ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، أعلنت انقسام العمل الداخلي بها إلى قسمين: الأول دعوى بقيادة البروفسور حافظ سعيد الذي يقود الحركة الأم «جماعة الدعوة» التي لم تحظرها الدولة الباكستانية عام 2002 من النشاط الدعوى والرعاية الاجتماعية، والثاني جناح عسكري تابع لجماعة الدعوة في باكستان بقيادة عبد الواحد كشميري.
لقد شكلت المسألة الكشميرية بؤرة التوتر الخطيرة في العلاقات بين الهند وباكستان، منذ حدوث التقسيم في شبه القارة الهندية في أغسطس 1947، الذي ذهب ضحيته ما لا يقل عن مليون إنسان. إذ تم تقسيم المناطق التي كان لها تاريخ واحد ثقافي ولغوي، مثل البنجاب والبنغال.
وترك التقسيم إقليم كشمير الذي تبلغ مساحته 75000 كيلومتر مربع، وعدد سكانه يناهز 18 مليون نسمة، 90 في المائة منهم يتبعون الديانة الإسلامية ، من دون تحديد.
وسمم انفصال باكستان عن الهند وعنفه مسيرة التطور لستة عقود، ووصل الطرفان إلى حافة المواجهة العسكرية 43 مرة وللحرب 3 مرات. ويمكن حصر الأسباب التي دفعت تنظيم «عسكر طيبة» للقيام بهذه الهجمات الإرهابية على النحو التالي:
1ـ الهند دولة كبيرة يزيد عدد سكانها على مليار نسمة، ومتعددة الطوائف، إذ يشكل الهندوس 80 في المائة من السكان، ويشكل المسلمون نحو 13 في المائة، ولا تربطهم أية علاقة بالحركات الجهادية الإسلامية الدولية، أو بالمنظمات الإرهابية .
ولكن المسلمين في الهند تعرضوا في العقدين الأخيرين لعدة هجمات إرهابية من قبل المتعصبين الهندوس، وما جرى من هدم لجامع بابر في أيوديا عام 1992، خير شاهد على ذلك.
2ـ تطور العلاقات بين الهند وإسرائيل في مختلف المجالات العسكرية والأمنية والتجارية والثقافية، منذ زيارة رئيس الوزراء السابق آرييل شارون لنيودلهي عام 1992. وقد أخذت هذه العلاقات بعدا خطيرا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ استغلت الدولتان الحرب الأميركية على الإرهاب، لكي تقوم إسرائيل بالقضاء على المقاومة الفلسطينية، بينما تقوم الهند بتصفية المقاومة الكشميرية.
3ـ بدء الحرب الأميركية على الإرهاب، وخضوع الجنرال برويز مشرف للضغوطات الأميركية في سنة 2002، وهو ما دفعته إلى حظر التنظيمات الأصولية المتطرفة، ومنها تنظيم «عسكر طيبة»، الذي طور علاقاته مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
4ـ دعم الهند لنظام حامد كرزاي في أفغانستان، وتوقيع الاتفاق النووي بين الهند وإدارة الرئيس بوش سنة 2008، الذي يشكل تحولا استراتيجيا في علاقات التحالف الهندية ـ الأميركية، وذلك في ضوء اتجاهات التنافس المستقبلية بين أميركا والصين، حيث وضعت واشنطن نيودلهي في وضع المواجهة مع بكين داخل آسيا المتأججة، بعد أن جرى تجاهل قضية كشمير من جانب الولايات المتحدة.
إن تنظيم «عسكر طيبة» الذي يقاتل من أجل استقلال كشمير، يسيء لقضيته حين يتماهى في عمله القتالي مع أساليب تنظيم القاعدة الإرهابي المأزوم رغم كل الهول الإعلامي، ويخدم الدعاوي الهندية، التي تؤكد أن كشمير جزء من الهند.
كاتب تونسي