بينما تتفاقم الازمة الانسانية في غزة وبينما تتوالى التحذيرات من نفاذ المواد التموينية وامدادات الطاقة في هذا الشتاء القارس في القطاع، الا ان التعنت الاسرائيلي مازال يتفاقم بالمقابل حيث قرر وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك استمرار اغلاق جميع منافذ القطاع ومنع سفينة عرب 48 من الابحار من ميناء يافا، مع الاستمرار في اطلاق الدعاية الاسرائيلية الرامية الى تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية التوتر القائم.
الا ان تلك الاجراءات لم تخف قلقا يتنامى بين شرائح اسرائيلية تتخوف من تأثير هذه السياسة العدوانية على المدى الأبعد، وبغض النظر عن دوافع تلك الشرائح الا انها تؤكد ان التبرم من استمرار الاعتداءات الاسرائيلية قد بلغ مداه في العالم وطال اجزاء من اسرائيل نفسها.
يتمثل ذلك بوضوح في شعور فصائل من اليسار في اسرائيل بخطورة الممارسات التي تسلكها حكومة الاحتلال الراهنة واختلاط الامر عليها الى حد التراجع عن الوعود التي قطعها اولمرت للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالافراج عن 230 أسيرا فلسطينيا فيما يسمى برهانا على حسن النية، لكن كيف نفهم حسن النية الاسرائيلية في ظل استمرار حصار غزة ومنع حتى (لعب الأطفال) من الوصول الى القطاع، وفي ظل الدعوات المستمرة لتنفيذ هجوم واسع النطاق على القطاع، كما يطالب وزير النقل الاسرائيلي شاؤول موفاز باستمرار.
ان تصاعد القلق في اسرائيل سواء من تيار اليسار او من غيره دليل مهم حول مخاوف الاسرائيليين من عواقب الاستمرار في رفض تنفيذ الاتفاقات الرامية الى حل الصراع العربي ـ الاسرائيلي والقبول بتسوية يترتب عليها انشاء الدولة الفلسطينية المستقلة المعززة الأركان والقوية في البنيان.
وكلما ضعفت القبضة الاميركية على ملف القضية الفلسطينية بفعل المشاكل الداخلية في الولايات المتحدة وتضاؤل النفوذ الاميركي على مستوى العالم، كلما تنامى القلق في الداخل الاسرائيلي ، لكن المؤسف ان الدعاية الانتخابية لاي حزب يسعى الى السلطة في اسرائيل لا يمكن ان تتضمن برنامجا سلميا لان الناخب الاسرائيلي المعاصر تربى على العنف في الداخل وعلى (التدليل المفسد) من جانب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وهو ما اتضح واضحا في (الاعلان غير الملزم) الذي اصدره مجلس الأمن الدولي امس الاول تعليقا على احداث الخليل العدوانية التي قام بها المستوطنون، الى حد ان كثيرا من اجهزة الاعلام الدولية المتأهبة دوما لتفسير كل شيء بمعزل عن الحقيقة اذا كانت اسرائيل طرفا، اعتبرت هذا الاعلان بمثابة ادانة، رغم انه لم يكن كذلك بوضوح.
ان تصاعد الانتهاكات الاسرائيلية لم يعد خافيا على احد، والتقارير تتوالى حول إرهاب المستوطنين الذي اعتبره أولمرت في بعض تعليقاته بمثابة (مذبحة منظمة).
ولا نبالغ اذا قلنا ان المناخ السياسي في اسرائيل كلما اقتربت الانتخابات يشبه نفس المناخ الذي ساد قبيل اغتيال اسحق رابين، حيث يقود الليكود حملة عنف منظمة لإقناع المتطرفين بانه أحق بالفوز في الانتخابات المقبلة.
واذا كان احد المحسوبين على اسرائيل في واشنطن (مارتن انديك) يقول انه لا مزيد من (الشيكات على بياض) لاسرائيل فإن العالم بحاجة الى ان يشعر ان هذه التصريحات الرنانة سوف يتم تطبيقها بالفعل على الارض على يد الادارة الجديدة حتى يشعر المتطرفون الاسرائيليون الذين وصل بهم الغرور الى قتل الفلسطينيين امام عدسات المصورين ان عصر الفوضى السياسية الاميركية قد انتهى وان واشنطن عادت الى رشدها مع تغير إدارتها مما يترتب عليه ضرورة ان يلتزم الاسرائيليون بمقررات السلام التي مازالوا يرفضونها استنادا الى الدعم الاميركي.
