مع بزوغ شمس هذا اليوم يبدأ فصل جديد في أعياد المسلمين، عيد الأضحى المبارك الذي يحتفل به حجاج بيت الله أكثر من غيرهم لاسيما وهم يؤدون مناسك الحج في الأراضي المقدسة، مبتهلين إلى ربهم بعقولهم وقلوبهم وجوارحهم، تاركين كل شيء خلفهم ابتغاء حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور.

يودعك الواحد منهم ويطلب منك السماح وكأنه ذاهب بلا عودة، في حالة تطهر ونقاء من أدران الحياة لأنه يعلم تماما كيف ان هذا الحج جهاد كبير، لا ترفث النفس فيه ولا تفسق وتبذل من طاقتها ونفسها الكثير علها تعود من فريضتها كيوم ولدت بلا آثام ولا ذنوب.

صورة هؤلاء الحجاج وهم يودعون أقاربهم كل عام تصبح من لحظات التأمل في أحوال الدنيا التي يعيشها كثيرون وهم يظنون انهم مخلدون فيها، في حين ان هذه الدنيا نفسها تجعلهم شهودا على لحظات أخرى تصور وتسجل ما لا يكاد الواحد منهم يصدق مايراه أو ما يسمعه.

في الأسابيع الثمانية الأخيرة التي سبقت عيد الأضحى توالت أحداث جسام، بدءا بالأزمة المالية التي عصفت بالعالم، مرورا بتردي أوضاع الفلسطينيين في غزة، معارضة تايلاند، تفجيرات بومباي وأحداث أخرى لم يكن وقوعها أمرا متوقعا، لكنها وقعت وأحدثت تغييرات جذرية تركت الأفراد في حالة صدمة، بل في حالة عجز عن الاستيعاب.

ولو كان الأمر مقتصرا على ذلك لاحتمل الناس الذين يدركون ان تأثرهم بما يحدث طبيعي ذلك لأنهم جزء من العالم، لكن تلك الأحداث لم تكتف بما خلفته من أزمات سياسية واقتصادية أرهقت عقول كبار المفكرين والقادة، بل انها تواصلت لتحدث أزمات أصغر لدى أسر فقدت أبا أو أما، أخا أو أختا، زوجا أو زوجة، صديقا أو صديقة، مالا أو بيتا وايا كانت صورة هذا الافتقاد تبقى صعوبة احتماله حقيقة حتى على اشد الناس بأسا وصبرا.

يتكيف اكثرنا مع هذا الواقع وما فرضه من تغييرات فرضتها سنة الحياة التي لا تترك للإنسان خيار البقاء على حال واحدة، بل تأخذه في خط الاقدار المرسوم له، فلا الأماكن تبقى نفسها، ولا الأشخاص المحيطين به يبقون أنفسهم دون ان يرحلوا أو يبتعدوا.

ولربما في ذلك حكمة ربانية نجهلها، إذ ان الإنسان لو ظل على وتيرة واحدة لاعتراه الضيق والملل وإن كان هذا الروتين يجسد اقصى درجات الفرح والسعادة.

والتكيف مع الواقع يستدعي تقييم ذواتنا وتطهير نفوسنا تلك التي ربما يجانبها الصواب احيانا فتخطئ في حساباتها وتتجاوز حدودها فلا تفطن إلى ذلك الا وقد تأخر بها الوقت فلاتتاح لها فرص اخرى.

لذا فإن الإنسان يبقى بحاجة دائمة إلى ضمير حي يدرك ان هذه الحياة منتهية لامحالة، لاوقت فيها للاذى، للعتاب، للقطيعة، والوقت كله لابد من الاستنفار فيه لنسمو باخلاقنا وعقولنا فنصبح قادرين على احداث التغيير الحقيقي في مشاهد عيد الأضحى وغيره من الأيام طالما وجدت الرغبة أولا والارداة ثانيا. اما القبول بتلك الصور المتكررة القاتمة التي تلغي كل جميل.

بل وتجعل النفوس تتمادى في أخطائها فتلك نهاية العالم التي يصنعها الإنسان بيديه وبجهل منه دون ان يفكر للحظات انه المسؤول الأول عن التغير السلبي في العالم الذي لا قيمة له دون الإنسان المحدث والمغير.

نأمل ان يكون صباح يوم العيد صفحة جديدة نطوي فيها أحزاننا وآلامنا وأخطاءنا، صفحة لا مكان فيها الا للحب والود، العفو والتسامح، الصدق والإخلاص ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.. هذا ما نأمله وما نرجوه لنشعر بالفعل ان هذا العيد عاد إلينا بجديد أصلح نفوسا قادرة على إصلاح العالم.

maysaghadeer@yahoo.com