اليوم عيد...

إذن نتوقع أن نصحو اليوم على خطابات الحنين لأعياد زمان وأيام زمان كعادتنا، سوف نندب حظوظ أبنائنا لأنهم لم يولدوا في ذلك الزمن الجميل الذي ولدنا فيه، ولم يمارسوا تلك الألعاب التي لعبناها في طفولتنا، ولم يناموا ليلة العيد وهم يحضنون ملابسهم الجديدة في انتظار بزوغ فجر العيد كي ينطلقوا لجمع عيدياتهم.

وارتياد ساحات الألعاب التي انقرضت ولم يعد لها وجود في عصرنا الحاضر إلا في قرى التراث والمهرجانات الشعبية التي تصارع دورة الزمن كي تحافظ على ما تبقى من الهوية التي لم يعد لدينا ما يمثلها سوى بعض هذه المظاهر التي لم تعد قادرة على الصمود في وجه العواصف التي تهب علينا وتكاد تقتلعنا من جذورنا.

ربما نجد في بعض هذا الحديث عزاء لما نكابده من غربة في زمننا، غير مدركين أن جزءا من هذه الغربة إنما هو من صنع أيدينا، بينما يصنع الجزء الأكبر منها دورة الحياة التي تفرض علينا التعامل مع الواقع بالكثير من الحكمة والقليل من نفاد الصبر.

وعدم إلقاء تبعات ما نعاني منه على غيرنا، وعدم الخضوع لمنطق المؤامرة التي لا نعرف بالتحديد من يحيكها ضدنا؛ هل هي الحياة التي من طبيعتها الحركة والتغيير وعدم الجمود، أم هو الشعور بالغربة في محيط لم يعد محيطنا، ليس من منظور الوجوه الغريبة التي احتلت المساحات الأكبر منه فقط، وإنما من منظور تبادل الأدوار الذي تفرضه عملية الاستلام والتسليم بين الأجيال.

هذه العملية المنبثقة من فكرة خلق الكون وفلسفة الحياة التي كلما أوغلنا في مراحل العمر اكتشفنا منها شيئا جديدا لم نكن ندركه في المراحل التي كانت قبلها، مع التسليم بأن ثمة اختلافا في مدى القدرة على تقبل الصدمة بحكم بشريتنا المفطورة على التمايز بين إنسان وإنسان.

ربما نتفق أو نختلف مع الروائي البريطاني «غراهام غرين» الذي يقول: (إذا أدركك الحنين إلى مكان فلا تعد إليه أبدا) لكن الذي لن نختلف عليه هو نبرة الحنين التي تطغى على خطابنا اليومي، فنحن نحنّ إلى طفولتنا الأولى؛ إلى الأماكن التي ولدنا فيها، والحارات التي نشأنا فيها، والأزقة التي لعبنا وجرينا فيها، وكل حبة رمل شاركتنا براءتنا، وقاسمتنا فرحتنا، وشهدت طفولتنا البكر التي غادرتنا.

على هذا المنوال ننسج حكاياتنا موغلين في تجريدها من الحاضر وربطها بالماضي وقطع كل صلة بينها وبين المستقبل، فهل نحن أمة أدمنت البكاء على الأطلال أم أنها طبيعة بشرية تأبى أن تفارقنا ونأبى نحن أن نتخلى عنها؟

قبل أيام احتفلنا بالعيد الوطني السابع والثلاثين لدولتنا؛ دولة الإمارات العربية المتحدة، ومع الاعتراف بأن احتفالات هذا العام كانت مختلفة من حيث الزخم الذي تميزت به مقارنة باحتفالات الأعوام القريبة الماضية، إلا أن مقارنة من نوع ما حدثت بين احتفالات هذا العام واحتفالات الأعوام البعيدة لمن عاش المراحل الأولى لقيام الاتحاد وواكب تلك الاحتفالات.

وربما ساهم فيها بشكل من الأشكال، فهل كانت المقارنة منصفة من منظور الحنين إلى الماضي لإعادة عجلة العمر إلى الوراء أم كانت ظالمة من منظور اختلاف مراحل العمر التي تفرض علينا عدم العودة إلى الماضي والتعايش مع الواقع مهما كان شكل هذا الواقع ودرجة رضانا عنه؟

لا شك أن طبيعة كل مرحلة تفرض علينا نفسها، وعلى المرحلة، وعلى طريقة الإحساس بها وأسلوب التفكير فيها، وعلينا أن لا نتحمس لفكرة حرق المراحل التي يدعو إليها الكثير ممن لا يعرف لذة الإحساس بمعايشة كل مرحلة من مراحل الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة، ذلك أن لكل مرحلة طابعها ونسيجها وتكوينها الداخلي وغلافها الخارجي الذي لا ينبغي أن نخرجه من سياقه كي نعيش الإحساس بهذه المرحلة دون الالتفات إلى النتائج التي سنخرج بها منها.

هل شاهدتم الأطفال وهم يتعاملون مع مفردات الحياة؟

يبهرنا الأطفال كثيرا بحيويتهم، وتصرفاتهم العفوية، وطريقتهم في التعامل مع مفردات الحياة ومكوناتها ببراءة نحسدهم عليها نحن الكبار، فنحاول الرجوع إلى ذلك الصندوق الذي نسميه «الذاكرة» كي نستعيد صورة تلك الأيام التي كنا خلالها في مثل أعمارهم، فلا نجد أنفسنا مختلفين عنهم في كثير من تصرفاتنا وطريقة تعاملنا مع مفردات الحياة المحيطة بنا وقتها، مع اختلاف هذه المفردات.

واختلاف طبيعة الحياة بفعل فارق الزمن الذي من العبث أن نغفل تأثيره على مكونات الحياة كلها من بشر وطبيعة وكائنات حية لا يمكن أن تنفصل عن واقع الزمان والمكان الذي تعيش فيه وتتفاعل معه، فتصطبغ كل تصرفاتها بألوانه وروحه وطبيعته.

اليوم عيد، سوف تتباين المشاعر فيه بين فرح غامر وسعادة تقتضيها طبيعة الأعياد التي هي مناسبات للفرح قبل أي شيء آخر، لكنّ ثمة أناسا لن يشعروا بهذا الفرح ولن يعيشوا هذا الإحساس، إما لفقد عزيز عليهم، أو لظروف تعيشها بلدانهم، أو لأي سبب آخر في عصر تعددت فيه الأسباب والألم واحد، لذلك ربما نجد لهم العذر في العودة إلى ذاكراتهم كي يستمدوا منها طاقة الفرح التي هم أحوج ما يكونون إليها في هذا التوقيت.

ربما لا تكون العودة بذلك المفهوم الذي تحدث عنه «غراهام غرين» لكنها دون شك عودة من ذلك النوع الذي ينصحنا الروائي البريطاني بالابتعاد عنه، فإلى أي مدى نحن متفقون معه أو مختلفون هذه المرة؟

تلك إجابة أتركها لكم، متمنيا لكم عيدا زاخرا بالفرح والحنين إلى كل ما هو جميل في الحياة، نستزيد منه للانطلاق إلى ما هو أجمل، جاعلين من كل محطة نتوقف فيها فرصة للتخلص من الأعباء التي تكدر صفو حياتنا، فثمة أشياء في الحياة تستحق أن نعيشها بكل مشاعرنا لأنها الوحيدة القادرة على دفعنا إلى ما هو أرحب وأجمل وأكثر أملا.

كل عام وأنتم بخير.

aliobaid2000@hotmail.com