هناك اعتقاد سائد وشائع بأن العلاقات الروسية الهندية قوية للغاية ويصعب على أحد اختراقها، ومازال البعض في الغرب يردد مقولة ان روسيا والهند زواج كاثوليكي لا انفصام فيه، وعلى ما يبدو أن هناك في روسيا كثيرين يصدقون ذلك، هذا على الرغم من المحاولات الدائمة والدؤوبة للولايات المتحدة لاقتحام هذه العلاقة وسحب البساط من تحت أقدام روسيا في هذا البلد القاري العملاق الذي يتوقع له الكثيرون أن يصبح قبل منتصف هذا القرن قوة عظمى دولية تنافس على الصدارة.
وتأتي الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف للهند الأسبوع الماضي في أعقاب الأحداث الإرهابية في مدينة مومباي لتعكس مدى أهمية هذا البلد الكبير، والزيارة كان معد لها قبل الأحداث وليس لها صلة بها، وقد سبق ميدفيديف بساعات إلى هناك وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ومعها رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأميركية مايك مولين.
وهناك من يعتبرون الهند ساحة تنافس روسي أميركي. انطلاقا من رد فعل العديد من الروس على «الصفقة النووية» الهندية الأميركية، التي حصلت الهند نتيجتها على «حقوق خاصة» في إطار نظام منع الانتشار النووي، بينما عقدت الولايات المتحدة العزم بعدها على ترسيخ أقدامها في سوق الطاقة الذرية الهندي، ولكن المنافسة هناك مازالت في صالح روسيا ربما إلى حين.
فقد شهدت الزيارة توقيع الرئيس ميدفيديف ومانموهان سينغ رئيس وزراء الهند مذكرة حول إنشاء روسيا في المستقبل مفاعلات نووية جديدة في الهند،. ومع ذلك لا بد من القول إن القائمين على القطاع الذري في روسيا عاجزون عمليا عن كسب الاحتكار في السوق الذرية الهندية، إذ لا يستطيعون وحدهم بناء الأربعين مفاعلا ذريا التي تحتاجها الهند في العديد من أقاليمها.
وبالتالي فسوف يكون هناك منافسون لروسيا في السوق النووية الهندية، وحتى مع انخفاض تكلفة الصناعة النووية الروسية كثيرا عن مثيلتها الغربية فإن حاجة السوق هي التي ستحسم الأمر وتضطر الهند للجوء للمنافسين الغربيين، وخاصة الأميركيين في إطار اتفاق التعاون النووي مع نيودلهي.
كما أن الهند أصبحت واحدة من دول العالم الرائدة المعدودة.
ولذلك فإن التعامل معها ليس سهلا على الدوام،. فمن الصعب إقامة علاقات ثنائية احتكارية معها، إذ سيكون ماثلا على الدوام عامل دور الولايات المتحدة والصين وغيرهما من الدول الكبيرة، خاصة وأنه رغم قوة العلاقات السياسية والتقنية العسكرية بين روسيا والهند.
ورغم أن التجارة بين البلدين تنمو بوتيرة 20 بالمئة في السنة، فإنه تعجز الصادرات الهندية لروسيا عن تجاوز مستوى المليار دولار في السنة، وتبدو فكرة إيصال التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار في السنة، خيالية اليوم. فالبيزنس الروسي غير موجود تقريبا في السوق الهندية، والبيزنس الهندي عاجز عن الصمود في روسيا. والتعاون في ميدان الطاقة الذي يتحدث عنه الطرفان، يجري ببطء أيضا.
وتكمن المشكلة الرئيسية في العلاقات الروسية الهندية في غلبة الحماس السياسي ولقاءات القمة بين قادة البلدين على الرؤية الواقعية على الساحة وفي الأسواق العالمية، كما تغيب الدراسات العملية للواقع السياسي أيضا، ولمن يتصوروا أفضلية موسكو لدى الهند عن واشنطن أن يتخيلوا وجود جالية هندية في الولايات المتحدة يزيد عددها على ثلاثة ملايين معظمهم من ذوي التخصصات العالية.
بينما في روسيا لا يزيد عدد الهنود عن بضعة الاف معظمهم تجار في الأسواق ومن أصحاب البيزنس الصغير ومثلهم من الروس في الهند، هذا إلى جانب طموحات عشرات وربما مئات الملايين من مواطني الهند المتطلعة للولايات المتحدة والغرب، بينما لا أحد هناك يتطلع لروسيا.
الواقع يقول انه على روسيا أن تبحث عن سياسة وإستراتيجية جديدة في علاقاتها مع الهند، ولا تركن فقط للقاءات القادة والمواقف السياسية التي تتغير في أيام قليلة، وأن تكف روسيا عن وصف الهند بالحليف الإستراتيجي لمجرد خلافاتها السطحية حول بعض القضايا مع واشنطن.
خبيرة في مركز الطاقة الروسي