يشرق علينا صباح هذا اليوم المبارك بعد ازدياد الظلام.. ونصلى صلاة العيد بين وقفتين «الوقفة المباركة» المفروضة مع الله والوقفة المطلوبة مع النفس ومع الناس، بعد ذكر وشكر حجاج بيت الله الحرام لله تعالى ليلة العيد عند المشعر الحرام.. وبعد صوم يوم عرفة أو الأيام العشرة من هذا الشهر لمن لم يستطيعوا الحج من المسلمين بعذر أو لمن منعوا من أداء الفريضة بقهر..
ويردد المسلمون جميعا على اختلاف ألسنتهم التكبير والتهليل والحمد لله تعالى باللغة العربية.. من الحجيج بكل مذاهبهم وأعراقهم ولغاتهم، أو من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. بعربهم وعجمهم وتركمانهم وسائر شعوبهم وقبائلهم وقومياتهم.. سواء في «مسجد نمرة» في «منى المقدسة» حيث يفيض الأمن والبركة، أو في «المسجد الأقصى المبارك» في «القدس الشريف» حيث يغيب الأمن والأمان في المدينة الأسيرة عن العرب الفلسطينيين..
في مصليات العيد وفي بيوت الله العامرة بالمسلمين رغم المعاناة الإنسانية ومجازر القتل اليومية اللا إنسانية في العراق والصومال وفي أفغانستان ووزيرستان وكشمير على يد المحتلين المعتدين الإرهابيين، وفي ظل الأمن من الجوع والأمن من الخوف في بيوت الله في بقية أوطان المسلمين الغامرة بالرحمة والخير والبركة للمؤمنين.
وبالأمس كانت لملايين المسلمين من حجاج بيت الله الحرام «وقفة» على جبل النور في «عرفات» تلبية لأمر الله الرحمن الرحيم لأبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا، وعلى كل ضامر يأتينا من كل فج عميق» تلهج بالدعاء للديان بصلاح الأحوال للإنسان والأكوان، وتذرف الدموع بالبكاء طلبا للرحمة والغفران عما نقترفه في حق أنفسنا وفي حقوق الآخرين.
كل عيد وكل العرب والمسلمين بأمن وأمان.. في الأوطان وفي المهاجر، وفي الديار أو في الشتات.. في بلادهم المستقلة أو في بلادهم المحتلة.. الذين يتنفسون الحرية، والذين يكتم أنفاسهم الحصار.. الذين يظللهم الأمن، أو المستهدفين بقصف المحتلين المعتدين أو بهجمات قطعان المستعمرين الإرهابيين..
في بيوتهم الآمنة، أو في الخيام بجوار بيوتهم المهدمة أو المغتصبة، في القصور أو بجوار القبور حيث لا مأوى لهم، في مساكن أو في العشوائيات حيث لا قدرة لهم على الإيجارات النارية، بين أهليهم جميعا، أو بغياب أب أو أخ أو أبن شهيد أو أسير أو سجين، بظلم أو بذنب يستلزم العفو في العيد ولا يتطلب العقاب العنيد أو الإصرار على التعذيب..
كل عيد والمسلون جميعا بخير، آمنة حياتهم وعادلة علاقاتهم، يرحم كبيرهم صغيرهم ويكفل غنيهم فقيرهم وينصر قويهم ضعيفهم، فالمسلم أخو المسلم يحميه من عدوه ولا يهمله، وينصره من ظالمه ولا يخذله، ومن لا يرحم أخاه في الدنيا لا يرحمه الله في الآخرة..
وما أحوجنا جميعا حكاما ومحكومين، وبسطاء وميسورين، وعلماء ومثقفين إلى «وقفة» مع النفس للمراجعة والتصحيح، مع أكبر مؤتمر إسلامي في الحج ترد كل ظلم وتنصر كل مظلوم، وتمسح الدمعة عن العيون وتنشر البسمة على شفاه بائس أو حائر أو مدين أو محروم.. حتى يكون كل المسلمين في كل عيد فعلا بخير.. وكل سنة وأنتم طيبون.
كاتب مصري