يقف اليوم ملايين الحجاج في عرفة، في مشهد تخشع له القلوب. يرتدون زياً واحداً وقد تلاشت الفروق بينهم. الأبيض مع الأسود والفقير يجاور الغني، والقوي بجانب الضعيف. الكل يرفع أكف الضراعة إلى الله بالعفو والمغفرة في هذا اليوم العظيم الذي يجسد وحدة المسلمين وتلاحمهم.

إن تلاحم المسلمين وترابطهم وحاجتهم لبعضهم البعض في هذا اليوم الفضيل، تذكرنا بمواقف نعيشها بين أفراد تربطنا بهم علاقات تتفاوت في حميميتها ودرجة القرب فيها، ومع ذلك نبتعد باختيارنا عنهم، ونكون سبباً في قطع الصلات بيننا وبينهم، من دون أن نفكر في أن اللحظات التي تجمعنا بهم اليوم قد تفرقنا عنهم غداً بسبب موت أو سفر أو ابتعاد تجبرنا عليه الظروف، لتجعل مهمة المعاودة إليهم آمالا في غاية الصعوبة. هنا يصبح طعم افتقادهم مراً وعلقماً لأن اللقاء أصبح متعذراً والاقتراب منهم بات مستحيلاً.

لو فكر الواحد منا فيمن فقدهم، ولو استرجع ما كان بإمكانه أن يقدمه إليهم لبكي ندماً. لو فكر الواحد منا فيما فوته على نفسه من ساعات وأيام كان ينبغي أن يستفيد منها، لقرر تطويع هذا الوقت الذي يقضيه اليوم في كل ما يبنيه دنيا وآخرة. لكن للأسف قليلون الذين يفكرون، وأقل منهم من يراجعون النفس ويحاسبون.

قد يبدو مقال اليوم حزيناً، لكن ما دعانا لكتابته هو أننا نستغرب من أفراد ما زالوا يحملون الضغينة على آخرين ولا يكترثون بهذه المناسبة الفضيلة المقبلة علينا، وهي عيد الأضحى المبارك، والأكثر أنهم يعتقدون أن فرحة العيد ستكتمل بقلوب تحمل ضغينة أو غضباً.

وهنا نتساءل: هل قلوبنا المثقلة بهموم الحياة ما زالت تتسع للغضب والخصام؟ هل ما زلنا نعتقد أن المقاطعة هي انتصار لأنفسنا ضد من أساء إليها، وتهرّب من مسؤولية الاعتذار لمن أخطأنا في حقه؟ هل ما زال بعضنا يعتقد أنه قادر على العيش بمفرده بعيداً عن الآخرين؟

إننا نعيش في عالم تترابط فيه الأواصر بين البشر وتنقطع، لا بد وأن تمر لحظات تختلف فيها النفوس وتثور وتخطئ وتتألم أو تندم. ولا بد أن نرى قلوباً متعانقة، فنحن في النهاية بشر نعيش في هذا العالم الذي يجمعنا والذي نثقل عليه بخلافاتنا وأخطائنا. ولكن الأهم في كل ذلك أننا مهما اختلفنا أو ضقنا ذرعاً بالآخرين فلا بد أن نجعل هذه المرحلة عابرة لا نتوقف عندها طويلاً.

المحبة والتسامح والعفو أمور لا يلجأ إليها إلا إنسان حضاري في سلوكه، سام في تعامله مع الغير. يعلن اعتذاره ويبادر لمن خاصمه ليفتح صفحة جديدة، غير مبال بالناس التي ترى في ذلك ضعفاً وتراجعاً وانكساراً وتترك أخطاءها ولو كانت صغيرة في زاوية بعيدة حتى يكبر الخطأ مع الأيام ويصبح ذنباً أكبر من أن ينسى.

هناك نفوس غالية على قلوبنا، غاضبة وأخرى عاتبة تحتل أزمنة وأمكنة في ذاكرتنا تستحق أن نمنحها في هذا اليوم أكثر مما تتوقع، تستحق أن نقترب منها، نصافحها ونعانقها قبل العيد بحب وصدق ونطلب منها العودة إلينا ليعود الصفاء، فتمنحنا القدرة على العيش ومواصلة الرحلة في عالم متسامح، يرسم البسمة على وجوهنا وينسينا هموم الحياة وكدرها كإخوة وأحباء لا تصفو الحياة من دونهم.

maysaghadeer@yahoo.com