للسياسيين وسيلة متعارف عليها في التنصل من المآزق والمطبات والمفارقات ودوخة الرأس التي تصادفهم في حياتهم المهنية، والخروج منها بأقل الخسائر، والإيهام بأنهم عند وعدهم بما وعدوا الناس به .
هذه الوسيلة السحرية التي يفلت بها المسؤول من المسؤولية، ويجعل الناس في انتظار مقرراته التي يأملون بأنها ستحل مشاكلهم وتأتيهم بالخير العميم، هي إحالة مشاريعهم، ومآزقهم إلى (تأليف اللجان) التي يُفترض أن تضع حلولا لمجمل المشاكل ( العالقة )! وهي وسيلة بيروقراطية مقبولة، ونظامية، وليس من حق أحد الاعتراض عليها.
يعني ذلك أنك لو كنت مسؤولا وتعقّدت عليك الأمور، فلم تجد لها حلا ولا تفسيراً، ولا نهاية، حلها بما لا يقبل الشك ولا الانتقاد، بتأليف لجنة تتولى حلها، فتريح وتستريح . وتجعل الناس بانتظار ما ستأتي به اللجنة الموقرة .
ولكن هذه اللجنة الموقرة ستنفق الكثير من الوقت، والكثير من الكلام، والكثير من المال العام وتنتهي إلى قرار بتأليف لجنة ثانية لدراسة المعطيات الأولية للقضية موضوع البحث .
وليس من المستبعد أن تعقب هذه اللجنة لجنة أخرى للنظر في صحة استنتاجات اللجنة السابقة، وربما دعت إلى مؤتمر في البلد أو خارجه، لغرض الوصول إلى الصيغة المثلى لحل المشكل .
وهنا يكون الموضوع الأساسي الذي كُلّف به المسؤول، وألّف من أجله اللجنة الأولى، قد راح بعيدا عن رغبته في معالجة الموضوع، ورغبتنا في التعرف عليه .
عادة، يأتي تأليف اللجان لبلورة ما توصّل إليه أعضاء اللجنة السابقة أو المؤتمر السابق، وقد تستغرق هذه (البلورة) أسبوعا أو شهرا أو عقداً، أو عدة عقود، تكون عندها القضية ذات الشأن، قد عفا عليها الزمن، وغامت ملامحها، ونصلت ألوانها، وربما نُسيت، وأصبحت باعثة على الملل .
ولدينا من نماذج اللجان الفاشلة، عبر عقود من الزمان، ما يبعث على العجب، ليس في محيطنا العربي، وهو حافل بها، وإنما في كل مكان؛ ألم يقل أحد السياسيين الكبار ما معناه «إذا شئت أن تدفن قضية، ألف لها اللجان »!
والموجع الذي لا مفر منه، هو أن بعض هذه اللجان ضرورية لتحديد ملامح القضية، وأصولها وفروعها وتعقيداتها، وصولا إلى ما يساعد على حلها؛ ولكن المبالغة في الاحتماء بها، والاختباء وراءها، والتهرب من القول الفصل، والقرار الأخير، مسألة باتت مفضوحة، لا يمكن الاطمئنان إليها، والاعتماد على نتائجها .
خذوا مثلا القضية الفلسطينية التي ضربت مثلا في عدد اللجان في الفروع المختلفة من النوايا والآمال والرغبات، وما زالت واثقة من كون اللجان ستصل بها إلى الحل الأمثل.
وقولوا مثل ذلك عما يؤلفه العراق من لجان في مختلف القضايا، الوعرة منها، والبسيطة التي تضخّمها المواقف المتزمّتة، ووسائل الإعلام، وتعطل فاعلية اللجان التي لم يفلح أي منها في إيجاد الحل للمسائل (المستعصية).
وهي ليست بمستعصية إذا توفّر الوعي وحسن النية، والاحتكام إلى الحس الوطني، ولكن أيّا من هذه اللجان لم تستطع حتى اليوم تجاوز العثرات . وكذلك الأمر في دارفور والصحراء، والحدود بين جارة وأخرى، ولجان تقصي الحقائق، وغيرها من مشاكل الأرض .
تأليف اللجان بهذا الشكل العشوائي، مقصود أحياناً، لتمييع حقيقة الأمور، وفتح ثغرة للهروب من الحقيقة، يحملنا على الدعوة إلى اختصار هذه الإجراءات التي أتخمتنا بالوعود الفارغة، وضيّعت من مواردنا وأعمارنا ما تأملنا منه حلولا لما يكتنف حياتنا من مشاكل تعرقل سيرنا إلى الحقيقة.
وهذه الظاهرة البيروقراطية ذات علاقة بطبيعة نظام الدولة، فالأنظمة المستقرّة الشفافة والحريصة على استخلاص النتائج من بحوثها ودراساتها لمشاكلها، لا تحتاج إلى التسويف والمماطلة واللجان المفتعلة، إلا بمقدار ما تحتاج الحقيقة إلى ذلك .
واللجان في بلداننا العربية مصابة بسوء الهضم، لقلة المعرفة والتساهل في المسؤولية، مما يعسّر فائدتها، ويجعل النفقات تتناسل، والأموال تُنفق، والوعود المجانية تتوالى، وتتراكم مخصصات لا علم لنا بها، ولكنها باهظة التكاليف حتماً، تسرق أحلام الناس، وتخطف تطلعاتهم، وتتركهم صرعى الوهم والوعود التي لا نهاية لها، وأولو الأمر من ساستنا ماضون في سياستهم في تأليف اللجان التي لا نهاية لها، ولا أمل منها، ولكنها باب خارجي للهروب من المسؤولية .
كاتب عراقي