كل عام وأنتم بخير. تتعانق الأعياد الإسلامية والوطنية، تنفتح أمام النفوس والعقول طاقات من الإيمان وسمو الروح والقيم النبيلة في عيد التضحية والفداء، وتنطلق معها مشاعر الاعتزاز بتجربة بناء الوطن في أصعب الظروف، ويصبح التأمل الواعي لكل ذلك فرضاً على الجميع استعداداً لمرحلة جديدة مليئة بالتحديات الكبيرة.
ومن شهد مثلي البدايات الصعبة، يدرك كيف كان بناء دولة الأمارات من نقطة الصفر تقريبا يبدو حلماً بعيد المنال، ويعرف بالتالي حجم الجهد الذي بذل، وقيمة النجاح الذي تحقق. لم تكن هناك موارد مالية كبيرة في ذلك الوقت، ولم تكن هناك كوادر وطنية مؤهلة، ولم تكن الظروف العربية قادرة على المساندة في ظل انكسار ,67.
ومع ذلك كان القرار هو بناء الدولة الحديثة من الصفر، وكانت المسيرة التي قادها مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله بالغة الصعوبة.. كان ميراث سنوات التخلف ثقيلاً، وكانت قوى التفرقة مازالت نشيطة ضد الوحدة وكان المتربصون بالتجربة الوليدة يعملون ضدها ويدبرون المؤامرات لتحطيمها قبل أن يشتد عودها.
لكن كل ذلك لم يمنع الحلم من أن يتحقق، لأنه- ببساطة ؟ كان التعبير عن إرادة الناس، ومن هنا احتضنوه، ودافعوا عنه، وتفانوا في العمل من أجل أن يتحول إلى حقيقة.
وفي المسيرة الصعبة كانت هناك من البداية خطوط أساسية تركز على الهدف هو إقامة دولة حديثة، وأن هذه الدولة هي جزء من خليج عربي مصيره الوحدة، ليكون بدوره جزءاً أساسياً من أمة عربية ينتمي إليها بالتاريخ والمصلحة والمستقبل المشترك. ومن البداية كان الاختيار حاسماً بأن المواطن هو الثروة الأساسية التي ينبغي الحفاظ عليها وتنميتها بالعلم والمعرفة وبتوفير كل الظروف الملائمة له لكي يبدع وينتج ويتقدم.
تتعانق الأعياد هذا العام. نحتفل ونتأمل ونستخلص الدروس ونستعد لأيام قادمة مليئة بالتحديات، ووسط ظروف بالغة الدقة في المنطقة وفي العالم كله. حيث الأزمة المالية العالمية تترك آثارها علي الجميع، والدول الكبرى تحاول إلقاء عبء الأزمة على الآخرين، بينما الدول النامية والساعية لتعويض سنوات الاستعمار والتخلف تسعى لنظام عالمي جديد أكثر عدلاً وأكثر إنصافا لشعوب الجنوب.
وفي منطقتنا تبدو الأمور أكثر تعقيداً حيث تتراجع أسعار البترول، وتترك الأزمة العالمية آثارها على أسواق المال ومشاريع التنمية. على الناحية الأخرى فإن تراجع احتمالات الضربة العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية لإيران بكل ما يمكن أن ينتج عنها من آثار كارثية لا يجعل المخاطر تتراجع.. فالأوضاع في العراق ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات، وخطر التقسيم سيظل باقياً، والصراع على مستقبل العراق سيظل مشتعلا بين أميركا وإيران في غياب أي استراتيجية عربية فاعلة.
أما الحرب في أفغانستان فستتصاعد بعد إعلان الرئيس الأميركي الجديد بأن الحرب على الإرهاب التي بدأت في أفغانستان لابد أن تنتهي بالانتصار هناك، وها هي أحداث مومباي تفتح أبواب جهنم على شبه القارة الهندية وتهدد بحرب جديدة بين الجارتين الهند وباكستان لابد ان يكون لها آثارها الهائلة على المنطقة كلها.
و إذا كان البعض في المنطقة قد عاش لسنوات يظن أن ما يجري في الصومال والسودان هو أمر يمكن أن يظل خارج دائرة الاهتمام، فها هي حوادث القرصنة تذكر الجميع بخطأ هذه التصورات، وتؤكد ضرورة وجود تصور استراتيجي عربي يمتد نطاقه من الخليج العربي إلى البحر المتوسط مروراً بسواحل الصومال والبحر الأحمر وقناة السويس.. فالأمن مرتبط والمصالح مشتركة والمخاطر تهدد الجميع.
تبدو التحديات صعبة والظروف بالغة الدقة، ولكن أين ذلك من صعوبة البدايات ؟ في اليد الآن تجربة ناجحة انتصرت علي كل العقبات وأقامت نموذجاً للوحدة هو الوحيد الذي صمد في عالمنا العربي. وفي اليد الآن قدرة على الإنجاز والتقدم أصبحت محط أنظار العالم كله.وفي اليد الآن ما هو أهم..
جيل من الكوادر البشرية المؤهلة القادرة على صنع التقدم في كل المجالات، جيل يملك العلم والمعرفة والخبرة الواسعة والثقة في النفس وفي القدرة على الإنجاز. جيل عليه أن يضع دائما أمام عينيه نقطة البداية التي انطلق منها حلم الدولة، ليدرك كم كانت البداية صعبة، وكم كان الطريق طويلا، وكم كان الإنجاز كبيراً.
وليكتسب من هذا كله الثقة في مواجهة التحديات والقدرة على استكمال الطريق محافظاً على هويته العربية، محققاً وحدته الخليجية، مؤمناً أن الأمن والاستقرار والتقدم لابد أن يمر عبر مشروع عربي للنهضة كان ومازال هو الرد الوحيد والأساسي على كل التحديات التي تواجه المنطقة.
كاتب مصري
